قال: «سأفعل» وأشار إلى لمياء فتبعته وهي تتجلد.
الفصل الثالث والستون
بنت الإخشيد
وكانت بنت الإخشيد تقيم في قصر قرب دار عبد العزيز أكبر دور الفسطاط وقد تقدم ذكرها. وذكرنا ما فيها من الغرف وعدد ما فيها من الناس، وهي واقعة على ضفة النيل الشرقية، يقابلها في المغرب جزيرة الروضة. وقصر بنت الإخشيد فخم يطل على النيل قد فرش بأثمن الرياش.
والدولة الإخشيدية يومئذ في إبان بذخها تقلد العباسيين بما في دورهم من الرياش الفاخر والأثاث الثمين بالأبسطة المطرزة والأستار المزركشة قد شدت إلى الجدران بمسامير الفضة وفرشوا غرف النوم بالأسرة الذهب أو الأبنوس المنزل بالعاج ونصبوا منائر الفضة عليها الشموع العنبرية إذا أوقدت فاحت رائحتها حتى تملأ الفضاء.
فلا غرو إذا دهشت لمياء عند دخولها ذلك القصر بعد أن رأت بساطة دار المعز في القيروان. وكانت تحسب دار أبيها في سجلماسة قبل سقوط دولته قد بلغت أرقى أحوال الحضارة، فإذا هي لا تعد شيئا بالنسبة إلى دور الإخشيديين وخصوصا هذه الدار؛ لأن بنت الإخشيد كانت لفرط إعجابها بنفسها تقلد نساء الخلفاء العباسيين بالبذخ والرخاء، ولا سيما زبيدة زوج الرشيد فقلدتها باصطناع قبة من الفضة والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب ملبسة بالوشي والسمور والديباج الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق
1
رغم ما كانت عليه البلاد من الضيق.
تلك كانت طريقة الحكومة في تلك الأيام، ولا سيما في أواخر الدولة.
إنما يهم الحاكم أن يجمع المال لنفسه ويتلذذ بالشهوات وقد يبلغ من تمتعه بالملذات أن يموت من التخمة والرعايا حوله يموتون من الجوع.
صفحه نامشخص