وإنما يخاطب أفلاطون بقولته هذه نخبة من مفكري عصره، آنس فيهم القدرة على التأمل وسعة العقل، وفرق بينهم وبين من سماهم بامتعاض «الماديين»، أولئك الذين لا يؤمنون بشيء ما لم يقع في قبضة يدهم، هم الذين قال فيه أفلاطون: «إنهم يحللون كل شيء إلى نظم طبيعية وأحداث مادية، وينكرون بتاتا تصور الوجود المجرد.» ثم رماهم من بعد ذلك بأنهم «أتباع بروطاغوراس السفسطائي». •••
ينبغي للباحث في هذا الموطن أن يعرف أن معاصري أفلاطون الذين تصدق عليهم الصورة التي صورناها، إنما هم أولئك الذين آمنوا بأن ما يمكن معرفته محصور في أسلوب التأثر بالأشياء، وأن الأشياء الخارجية التي يظن أنها تتضمن مجموعة من هذه الأساليب، من الممكن اعتبارها موجودة، ولكنها مع ذلك بعيدة عن منالنا على أية حال.
كذلك ينبغي لنا أن نعي أن العبارات التي شرح بها أفلاطون نظرية معاصريه هؤلاء في الحس قد خالطها كثير من الاستطرادات التي كان يأبى عقل أفلاطون إلا أن يستطرد فيها، ولذا يجب أن نقصر النظر على الأسس الأولية التي تقوم عليها نظرية معاصري أفلاطون، وأن نحصر بحثنا في المبادئ الجوهرية التي تتضمنها تلك النظرية.
تقضي هذه النظرية بأن هنالك عنصرين: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي، لا بد من أن يقترنا لإحداث كل إحساس من الإحساسات، وهذا التعاون الذي يجب أن يحصل بين العنصرين، إنما هو عبارة عن «حركة» عمد أصحاب هذا المذهب في إثباتها إلى نظرية هيرقليطس فيما سماه الفيض الدائم
وأنه باقتران مثل هذين العنصرين اللذين باقترانهما تتميز شخصية أحدهما من الآخر، من حيث السلبية والإيجابية - ينشأ الإحساس، ومعه وفي الوقت ذاته موضوع الإحساس، فالألوان التي هي موضوعات إحساس البصر تنشأ مع الإحساس البصري، والأصوات التي هي موضوعات إحساس السمع تنشأ مع الإحساس السمعي، وهكذا، وبذلك ينكرون كل وجود سابق لما ندعوه الصلابة والطراوة، أو الدفء والبرد، أو الأبيض والأسود. فإن هذه إنما يتحقق وجودها في الوقت الذي يتحقق فيه الإدراك.
ولكن كيف نستطيع أن نفسر حقيقة هذا النظام الذي يحدث في وقت واحد الإحساس الذاتي
Subjective
والصفة الموضوعية
Objective quaeliy ، هذا إذا لم يعز إليه إحداث الشيء الذي يحمل الصفة الموضوعية ذاتها؟
لقد أشرنا من قبل إلى أن أفلاطون قد عبر عن هذا النظام بأنه «حركة » ولا شك في أنه عزى إلى تلك الحركة آثارا واسعة النطاق. كذلك يجب أن نشير هنا إلى أن «العنصرين» اللذين قيل إن أحدهما سلبي والآخر إيجابي - وهما المنتجان «للحركة» - قد تركهما أفلاطون غير محددين وخلفهما محاطين بإبهام واستغلاق، وكان ذلك سببا أن يظلا غير جليين في سياق هذا المذهب، غير أنه لا ينبغي أن يفوتنا أن أنماط التفكير التي قام عليها المذهب بكلياتها وجزئياتها لم تعرض في ناحية من النواحي إلى ذكر «المادي» أو «الهيولى» واتخاذهما جزءا مكونا من أجزاء المذهب. ولا شك أن مذهبا كهذا يحاول أن ينقض مذهب الماديات، ويقول «بالوجود المطلق»؛ لن يكون فيه من محل لذكر الماديات والهيولانيات والجسمانيات إلى غير ذلك من الأشياء التي يحاول نفيها بتاتا، غير أننا يجب أن نعي، إذا ما أردنا أن نفقه حقيقة الأمر، أن كثيرا من فلاسفة الأقدمين - ومنهم أفلاطون وأرسطوطاليس - قد حاولوا أن يخلقوا للعقل تصورا يحل فيه محل تصور المادة، ولكن محاولتهم هذه لم تخلص إلا بتصورات اعتراها الغموض واكتنفها الإبهام، لهذا لا يبعد - على ما يقول كثير من الباحثين - أن يكون هؤلاء الفلاسفة قد تصوروا بادئ الأمر ضربا من المادة لا صورة ولا صفات لها، واتخذوه أداة لما سموه «الحركة» في هذا المذهب.
صفحه نامشخص