7
كما أن خلفاءه وأتباعه خلال الأعوام المائة الأخيرة قد ظهر لديهم، عموما، نفس هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أن فلسفة هيجل لا تمثل الفردانية كلها، فإن هذا الحكم يصدق بوجه عام على هذه المدرسة وأفرادها.
مزايا الفردانية : هناك مزايا عديدة لهذه النظرة إلى العالم، كما يتضح من كثرة عدد أتباع المثالية المطلقة خلال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر. وهناك ميزتان أظهر من غيرهما في هذا الصدد. الأولى ميزة عقلية بالمعنى الخاص الدقيق: فلا بد لأية ميتافيزيقيا فردانية من أن تكون محكمة التركيب، عضوية البناء إلى حد يستحيل على معظم المذاهب الأخرى تحقيقه.
8
فالترابط المنطقي هو أساس المثالية المطلقة، شأنها شأن أي نوع آخر من الفردانية. ومن المؤكد أن - «النظرة المصمتة
Block-View » إلى الكون، التي يكون لمفهوم «الكل» فيها الأهمية الأولى، هي بطبيعتها نظرة مترابطة؛ ولذا لم يكن من المستغرب أن يكون القائلون بمذهب المطلق هم أبرز مؤيدي نظرية الترابط بوصفها نظرية للحقيقة؛ لذلك فإن بعض الأذهان، التي يصل فيها الاتجاه إلى الاتساق المنطقي، والإحكام المذهبي، والتماسك الهندسي، إلى حد الميل الطاغي، تجد الفردانية مذهبا لا يقاوم. وتتضاعف جاذبية الفردانية إذا كانت تلك أذهانا تجد الكل الموحد، مهما تكن درجة تجريده، أقوى دلالة من الجزء العيني، مهما يكن ثراؤه أو واقعيته.
وإلى جانب هذا الإرضاء العقلي، تتمثل في الفردانية بعض المزايا الانفعالية، وهي مزايا تشاركها في معظمها كل المذاهب المثالية، كما رأينا في الفصل الثالث. والواقع أن الإرضاء الذي تتيحه نظرة إلى العالم لا تترك أطرافا معلقة دون ربطها بإحكام، هي مزايا تفوق المجال العقلي وحده. ومن المؤكد أن هناك جاذبية جمالية في مثل هذا البناء المعماري العقلي المتناسق، ولكن الأوضح من ذلك هو تلك الثقة الانفعالية التي يبعثها مذهب تجمع فيه الأجزاء المتباينة في وحدة كونية. إذ إن كل ما يحدث في التجربة البشرية يغدو عندئذ جزءا من النظام الشامل، للأشياء، وهو النظام الذي يكون له فيه معنى وغرض. وهكذا لا تضيع الحياة سدى، ولا يكون الحب الفاشل حبا ضائعا فحسب، ولا يكون هناك ألم بلا حكمة، أو تجربة بشرية بلا دلالة. وعلى حين أن كثيرا من المفكرين يعتقدون أن أمثال هذه المزايا الرائعة لا يمكن أن تشترى في السوق الفلسفية إلا بثمن عقلي باهظ إلى أبعد حد، فإن تاريخ الفكر يثبت لنا أن هناك أشخاصا كثيرين كانوا على استعداد لدفع هذا الثمن. (10) موجز الميتافيزيقا: الثنائية والتعددية
من الممكن أن يكون الموجز الذي نقدمه للثنائية والتعددية أقصر إلى حد ما من موجز الواحدية؛ إذ إن العرض الذي قدمناه لهذين الموقفين في هذا الفصل يجعلها أقرب إلى ذهن القارئ. وفضلا عن ذلك فليس لهذين المذهبين إلا صور قليلة متباينة تقتضي معالجة مستقلة.
الثنائية : إن الصعوبة الكبرى التي تواجهها الثنائية هي صعوبة عقلية. فهذه النظرة إلى العالم؛ إذ تقبل دون مناقشة رأي الموقف الطبيعي إلى الواقع، بما فيه من ازدواج أساسي بين مقولتين لا تردان إلى غيرهما، هما «الذهن» و«المادة»، تلقى عادة إعجابا من المبتدئ في الفلسفة، بوصفها نظرة تبشر بالخير الكثير. غير أن هناك حواجز هائلة بين ما تبشر به وبين ما تحققه فعلا، وهي حواجز لم تتمكن معظم المذاهب الثنائية من اجتيازها. ولما كنا قد ناقشنا هذه الصعوبات منذ وقت قريب، فإنا لا نجد ما يدعو إلى تكرارها، وكل ما نود أن نقوله باختصار هو أن هذه المشكلات يمكن أن تصنف على النحو الآتي: (1) مسألة التحديد الدقيق لطبيعة هاتين المقولتين الأساسيتين، مع بيان حدود كل منهما. (2) العلاقات بين هاتين المقولتين. (3) طريقة أو كيفية حدوث هذه العلاقات. والواقع أن معظم المذاهب الثنائية قادرة تماما على معالجة المشكلة الأولى من هذه المشاكل، ولكن معالجتها للمشكلة الثانية أقل إرضاء، أما تفسيرها لطريقة حدوث العلاقات بين العالمين اللذين يفترض أنهما مستقلان وغير قابلين للرد، فهو عادة تفسير غاية في الضعف. ويبدو على وجه العموم أن الثنائية تعدنا بأكثر مما تستطيع تقديمه إلينا، وإذا ما أقبلنا عليها بآمال عريضة، فأغلب الظن أن خيبة أملنا لن تكون أقل من هذا الأمل العريض.
وإلى جانب هذه الميزة الهائلة للثنائية، وهي ميزة ارتكازها مباشرة على الموقف الطبيعي، (وبالتالي تجنبها للهوة التي تفصل بين التجربة اليومية والتأمل الميتافيزيقي، وهي الهوة التي كانت شائعة جدا طوال تاريخ الفلسفة)، فإنها تمتاز بأنها تكشف بوضوح عن مشكلة المقومات الأساسية والوجود النهائي على نحو لا يقوم به أي مذهب آخر. ومن ثم فإنها هي المذهب الذي يفضله المبتدئ على ما عداه؛ إذ إننا ما إن نمعن الفكر في نتائج الثنائية، ونزن ما لها وما عليها من الحجج في أذهاننا بوضوح، فإننا نصبح عندئذ على استعداد للاضطلاع بالمهام الأصعب، وهي فهم الواحدية والفردانية والتعددية.
صفحه نامشخص