317
صور من الكفر الأكبر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا أن الأربعة الأنواع الأخيرة من النفاق: ثم هنا نفاقان: نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة.
فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، كأن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ في خبره، ولا وجوب طاعته في أمره، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علمًا وعملًا، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، لكنه يقول: لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدًا، وأنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول ﷺ وبغير متابعته، كما هو قول الصابئة الفلاسفة، يقولون: تحصل السعادة والنجاة بمتابعة الرسول صلى الله وسلم وبغير متابعته، إما من جهة الفلسفة والصبو، أو من جهة التهود والتنصر، فإنهم وإن صدقوا الرسول ﷺ وأطاعوه لكنهم لا يوجبون ذلك، ولا يرون وجوب ذلك على أهل الأرض جميعًا، بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذبًا، بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك، قال: وهذا دين التتار ومن دخل معهم.
أي: وبيان هذا النفاق أنه لا يرى أنه يجب تصديق الرسول ﷺ وتجب طاعته، بل يجوز أن تصدقه ويجوز أن تطيعه، والسعادة والنجاة تحصل من طريق الرسول ومن غير طريقه، كطريق الفلسفة أو الصبو أو التهود أو التنصر، فهؤلاء منافقون ولو صدقوا الرسول وأطاعوه؛ لأنهم لا يرون وجوب تصديقه ولا يرون وجوب طاعته على الناس جميعًا، بحيث لا يكون الذي لم يصدق الرسول ولم يتبعه معذبًا، بل يرون طاعة الرسول مثل التمسك بمذهب إمام من الأئمة، أو مثل الدخول في طريقة شيخ من الشيوخ، أو مثل الدخول في طاعة ملك من الملوك، وهذا دين التتار ومن دخل معهم.
ثم قال ﵀: فأما النفاق الذي هو دون هذا كأن يطلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة، وبالثاني كثير من المتصوفة، فإنهم يوجبون تصديق الرسول ﷺ ويوجبون طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكًا آخر، إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد، وإما من جهة التقليد.
قال ﵀: فانظر نفاق الصنفين مع اعترافهم باطنًا وظاهرًا بأن الرسول أفضل الخلق وأكمل الخلق، وأنه رسول وأنه أعلم الناس، لكنهم لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته، فقد كفروا.
وإذا أرادوا أن يعلموا ما يتصف به الله من الصفات؛ فلا يأخذون ذلك من الكتاب والسنة، وإنما يأخذونه عن طريق العقل أو عن طريق مناهج أهل الفلسفة، فهذا هو النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله ويوجب الخلود في الدرك الأسفل من النار.

15 / 9