دراسات عن مقدمة ابن خلدون
دراسات عن مقدمة ابن خلدون
ژانرها
إن الخلل الذي يطرق للدولة من وجهة القوة والعصبية على هذا المنوال يترافق مع خلل يطرقها من جهة المال أيضا.
لأن «الدولة في أولها تكون بدوية، فيكون خلق الرفق بالرعايا والقصد في النفقات والتعفف عن الأموال، فتتجافى الدولة عن الإمعان في الجباية، والتحذلق والكيس في جمع الأموال وحسبان العمال» (ص296). ولا داعية حينئذ إلى الإسراف في النفقة، فلا تحتاج الدولة إلى كثرة المال» (ص297).
ولكن الأمور لا تستمر كثيرا على هذا المنوال؛ وذلك لأن «عندما يحصل الاستيلاء ويستفحل الملك» يبدأ الترف «ويكثر الإنفاق بسببه؛ فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم، بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند، وأرزاق أهل الدولة، ثم يعظم الترف، فيكثر الإسراف في النفقات، وينتشر ذلك في الرعية» أيضا (ص297).
تعظم نفقات الدولة بهذه الصورة يوما عن يوم ؛ فتزداد حاجتها إلى المال شيئا فشيئا، فيضطر صاحب الدولة إلى التفنن في جمع المال بوسائل وطرق شتى، حتى إنه يلجأ في آخر الأمر إلى وسائل الظلم والإرهاق، وذلك يزيد الخلل، وزيادة الخلل تزيد الحاجة إلى الجند وإلى المال، وهكذا يشتد الخلل شيئا فشيئا إلى أن يصبح كليا، ويؤدي إلى الانقراض.
يتتبع ابن خلدون سلسلة هذه التحولات باهتمام، ويشرحها بتفصيل: «يحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق؛ لإدرار الجباية لما يراه من ترف المدينة - الشاهد عليه بالرفه - ولما يحتاج هو إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده. ثم تزيد عوائد الترف، فلا تفي بها المكوس، وتكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من الرعايا، فتمتد أيديهم إلى جمع المال من أموال الرعايا من مكس أو تجارة أو نقد. ويكون الجند في ذلك الطور قد تجاسر على الدولة بما لحقها من الفشل والهرم في العصبية، فتتوقع ذلك منهم، وتداوي بسكينة العطايا وكثرة الإنفاق فيهم، وتكون جباة الأموال في الدولة قد عظمت ثروتهم في هذا الطور، بكثرة الجباية، وكونها بأيديهم وبما اتسع لذلك من جاههم. فيتوجه إليهم باحتجان الأموال من الجباية، وتفشو السعاية فيهم بعضهم من بعض للمنافسة والحقد، فتعمهم النكبات والمصادرات واحدا واحدا إلى أن تذهب ثروتهم وتتلاشى أحوالهم، ويفقد ما كان للدولة من الأبهة والجمال بهم. وإذا اصطلمت نعمتهم تجاوزتهم الدولة إلى أهل الثروة من الرعايا سواهم، ويكون الوهن في هذا الطور قد لحق الشوكة وضعفت عن الاستطالة والقهر؛ فتنصرف سياسة صاحب الدولة حينئذ إلى مداراة الأمور ببذل المال، ويراه أرفع من السيف لقلة غنائه، فتعظم حاجته إلى الأموال زيادة على النفقات وأرزاق الجند، ولا يغني فيما يريد. ويعظم الهرم بالدولة، ويتجاسر عليها أهل النواحي، والدولة تنحل عراها في كل طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلاك، فإن قصدها طالب انتزعها من أيدي القائمين بها، وإلا بقيت وهي تتلاشى إلا أن تضمحل، كالذبال في السراج إذا فني زيته وطفئ» (ص297). (4) اتساع نطاق الدولة
إن نظرية ابن خلدون في أمر اتساع نطاق الدولة مشروحة في الفصول التالية:
فصل في أن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها (ص161)، فصل في أن عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة (ص163)، فصل في انقسام الدولة الواحدة بدولتين (ص292)، فصل في كيفية طروق الخلل للدولة (ص294)، فصل في حدوث الدولة وتجددها كيف يقع (ص298).
غير أن هذه النظرية مجملة في فصل واحد، هو من الفصول الناقصة في طبعات البلاد العربية.
فصل في اتساع نطاق الدولة أولا إلى نهايته، ثم تضايقه طورا بعد طور إلى فناء الدولة واضمحلالها (ص114-117، ج2، طبعة كاترمير). (1)
يرى ابن خلدون أن «نطاق الدولة واتساعها» يتحول ويتطور وفق نظام ثابت؛ تتوسع الدولة في بادئ الأمر إلى أن تصل إلى أقصى حدودها، وبعد ذلك تأخذ في التقلص فتتراجع عن تلك الحدود، ويتضايق نطاقها شيئا فشيئا.
صفحه نامشخص