دین انسان
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني
ژانرها
Hel ، لها رأس يتطوح أمامها عندما تتحرك، ووجها ممسوح الملامح في نصفه الأيسر، واضحها في نصفه الأيمن. وكلما هبطت روح جديدة هبت هيل لاستقبالها وحددت لها مكان سكناها في عالمها الواسع، الذي يتألف من أجنحة وأقسام كثيرة، لكل فئة من الأرواح مثواها ومقرها فيه إلى أبد الآبدين. وهناك قاعة شرف خاصة مهيأة للموتى من الآلهة أنفسهم؛ ذلك أن الآلهة في المعتقد التيوتوني خالدة ما لم تتعرض للقتل العمد من قبل من هو أقوى منها. ولديهم أسطورة تحكي كيف أن كبير الآلهة أودين لم يستطع إنقاذ ابنه بالدر، الفتى المحبب لدى الآلهة جميعا، من قبضة الإلهة هيل، وكيف أنه أرسل أشجع إخوة القتيل بالدر، المدعو هيرمود، في مهمة مستحيلة لاسترجاع أخيه. وصل هيرمود، بعد قهره ما يشبه المستحيل، إلى قصر الملكة هيل في بؤرة الأعماق المظلمة، حيث استقبلته بما يليق بابن كبير الآلهة من حفاوة وتقدير، وعندما استمعت لرغبة كبير الآلهة في استرجاع ابنه وافقت، ولكن بشرط واحد، وهو أن تبكي كل الجمادات والأحياء في العالم الأعلى الإله الغائب. بعث الآلهة رسلهم إلى الجهات الأربع، طالبين من كل إنسان وكل حيوان وكل حجر وشجر ونبع ونهر أن يبكي الإله الميت بالدر، ففعل الجميع، وقامت مناحة في طول الأرض وعرضها. ولكن عندما وصل الرسل إلى عجوز من جنس العمالقة تأوي وحيدة إلى مغارتها الجبلية، أدارت لهم ظهرها بدون اكتراث، وقالت: لم يقدم لي بالدر في حياته منة ما، فلماذا أبكي عليه؟ دع الموت يمسك موتاه. وبذلك خسر الإله الفتى فرصته الوحيدة للخلاص من العالم الأسفل، ولم تكن تلك العجوز سوى هيل نفسها.
4
ورغم أن مكانة سكان العالم الأسفل في المعتقد التيوتوني تختلف باختلاف المكانة التي كانت لهم في العالم الأعلى، إلا أن الفروق في شروط المعيشة في عالم هيل ليست بالقدر الذي يخفف من بؤس مصير الروح هناك. وأغرب مصير تصير إليه زمرة من الأرواح الهابطة إلى هيل، هو مصير جماعة المحاربين الذين سقطوا في ساح القتال؛ فهؤلاء يحلون ضيوفا في قاعة شرف خاصة بهم، ولهم فيها ما يشتهون من طعام أو شراب، يطوف به عليهم عذارى حسان ، ويلبين لهم كل مطلب. غير أن هؤلاء المحاربين محكومون بخوض قتال لا يهدأ في كل يوم؛ فمع ابتداء اليوم الجديد يتخذ الأبطال عدتهم للحرب وينخرطون في قراع يستمر إلى آخر اليوم حيث يأوون إلى أسرتهم؛ لكي يتابعوا الأمر نفسه في اليوم التالي. فأي مصير ينتظر أشجع وأقوى ما عرفته أوروبا من مقاتلين؟ وأي عزاء يحمله هذا المعتقد إلى المؤمنين؟ وكيف يكون الخوف من الموت والطمع في الخلود هنا أساسا لنشوء معتقد ديني لا يطامن من خوف ولا يرضي طمعا؟
فإذا عدنا القهقرى إلى حضارات الشرق القديم، وجدنا في معتقداتها حول الروح ومآلها ما يشبه المعتقدات البدائية الأوروبية، وذلك باستثناء مصر الفرعونية التي تنفرد ديانتها بتصورات خاصة بها. ففي المعتقد السومري وصنوه البابلي، تهبط الروح إلى العالم الأسفل الذي تحكمه الإلهة إريشكيجال، الملكة المرعبة التي يخافها حتى الآلهة الأعلون. في ذلك العالم، تتساوى مصائر الأرواح الهابطة إليه، مع فروق طفيفة تتوقف على المكانة الاجتماعية السابقة للمتوفى، وعلى مقدار التزام أهل الميت بطقوس الدفن وغيرها من الطقوس المخصصة لراحة أرواح الموتى، من تقديم أضاح وما إليها. كما أن بعض الأعمال الصالحة في الحياة الدنيا قد تخفف من وطأة العالم الأسفل على الروح. نقرأ في النص السومري المعروف بعنوان «جلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل»، كيف انسلت روح إنكيدو الميت من كوة إلى العالم الأعلى لتشرح لجلجامش أحوال عالم الموتى. وبعد أن يتعانق الصديقان:
إنكيدو :
إذا كان علي أن أحدثك عن مسالك العالم الذي رأيت عليك أن تجلس أولا وتبكي.
جلجامش :
سأجلس وأبكي.
إنكيدو :
إن جسمي الذي لم تمسك به في العناق، تنهشه الهوام حتى غدا كالخرقة البالية، جثة مليئة بالتراب. (فصرخ جلجامش يا ويلاه، وسقط على وجهه في التراب.)
صفحه نامشخص