ذو النورین عثمان بن عفان
ذو النورين عثمان بن عفان
ژانرها
فإذا أخذت هذه القصة على عجل؛ فعثمان قد كان أداة لمروان يذهب به ويجيء كما يشاء ويمضيه على رأي أو يثنيه عنه على هواه.
ولكننا إذا تخيلنا عثمان على هذه الصورة وجب أن نسأل: من غير مروان كان يصنع بعثمان هذا الصنيع؟ فإن الرجل إذا كان هين المقادة إلى هذا الحد؛ هان على كل موسوس له أن يقوده، ولا سيما أقربهم إليه وألزمهم له من حرمه ومساكنيه في داره، وقد عرفنا من تاريخ تلك الفترة أو ما قاربها أنه كان يستمع في بيته إلى من يوغر صدره على مروان فلا يستجيب لتوغيره، ومنهم نائلة بنت الفرافصة زوجته، وقد كان للزوجات أثر في قصور ذوي السلطان ممن عرفوا بالقوة والسطوة، لم ينقطع في عصر من العصور.
فالطاعة هنا ليست بطاعة نفس ضعيفة لكل من يوسوس لها على مقربة منها، ولكنها طاعة اختيار لسبب له شأنه عند عثمان، وإن لم يكن له هذا الشأن عندنا نحن اليوم أو عند ناقديه من معاصريه.
ونحن على يقين أننا اليوم نتردد في الجواب إذا سئلنا: «من غير مروان بن الحكم كان خليقا أن يعمل لعثمان عمل الكاتب الوزير الذي يعمل له كأنه يعمل لنفسه في سره وجهره؟»
إننا نعرف رجال تلك الفترة المرشحين لمثل هذا العمل، فمن منهم يتولاه إذا استغنى عن مروان؟!
ليس مروان بأفضل من يكتب للخليفة في عصره، ولكن الذين هم أفضل منه لا يرتبطون بهذا العمل ارتباطه، ولا يطالبهم عثمان بما يطالب به مروان من خدمته وولائه.
لقد ذهب عثمان إلى العباس يشكو عليا، ويكاد يعم بالشكوى بني عبد المطلب؛ لأنه يحسبهم ذوي حق غلبوا عليه، فإذا خامرته هذه الشكوى صوابا أو خطأ وخامرته في أناس كبني عبد المطلب على مثل ذلك الصواب أو ذلك الخطأ، فهو لا يتخذهم وزراء كتبة يعملون له ويرتبطون بخدمته كارتباط مروان ومن إليه، ولعله لو لم يشكهم لا يخطر له أن يكلفهم عملا كعمل كاتبه ووزيره؛ فإنهم في مقام الأنداد ولهم شاغل عن عمل يرتبطون به إلى جواره.
ولا نقول: إن عثمان لم يكن يستمع لمروان، ولا إنه كان يستمع للصواب من رأيه ويعرض عن الخطأ منه، ولكنما نريد أن نقول: إن ما بينهما ليس بطاعة الضعيف يلعب به القوي، وإنه اختيار له سببه الذي يوضع في ميزانه عند عثمان وغير عثمان حين يكون في مكانه.
والسؤال الواجب على أية حال في كل مقام كهذا المقام هو: «ماذا كان أجدر وأجدى من هذا؟» فإن كان الجواب قاطعا فقد أمكن القطع بالخطأ، وإن كان الجواب يحتمل رأيا هنا ورأيا هناك؛ فليس التردد بينهما بالدليل حتما على الضعف والاستسلام.
واتباع عثمان لمشورة مروان أو لمشورة غيره، لم يكن قط ذلك الاتباع الذي يعاب جملة أو يستحسن جملة، ولم يكن طاعة المستسلم الذي لا يدري فيم يستسلم، ولكنه أشد ما يكون من قبيل الحيرة التي يشترك فيها سالكان لا يأمن أحدهما إذا ضل صاحبه، ومن حار معك كما تحار أقرب إليك ممن يهتدي وهو في طريق وأنت في طريق.
صفحه نامشخص