442

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وليس بعد الألوهية إلا الذات، فاقتضى هذا القول الحقيقة لا المجاز، ودل بقوله على المعاني دون الألفاظ، إذ هو هو، لا هو غيره.

وقال آخرون: هذا مجاز من القول، كما تقول للشجاع: إنه أسد. وليس بأسد. وتقول للسخي: بحر. وليس ببحر.

وقال آخرون: تعالى ربنا أن رغب عما أخبرنا به عن نفسه إلى تمثيل من دونه ، فنحن على الظاهر، والظاهر على الباطن حكمة، إلا أن يقع للباطن دليل، وللباطن دليل هاهنا، لأن الله تعالى يريد بقوله: هو هو الباطن لا الألفاظ.

وقولك: الشجاع هو الأسد. ولم يرد به اللفظ، ولا عين الأسد، لكن المراد هو المعاني، وهو حقيقة الاسم في ذات الله تعالى.

وكلا الفريقين قد أصاب، هؤلاء: لأن الألفاظ هي الأسماء. والآخرون لأن المعاني هي الأسماء.

فمن أجزل للباري سبحانه المدحة فهو أفضل ممن بخسها، لكن هؤلاء اقتصروا على أبصارهم، وهؤلاء على بصائرهم، وعلى أن مستقاهما من مكانين مختلفين.

ومستقى أصحاب الألفاظ والألقاب والأعلام من اللغة، ومستقى أصحاب المعاني من الشرع، فإذا ازدحما أتت الشريعة على اللغة، على أن اللغة فيها مقتضى المعنيين جميعا، أسماء الألقاب وأسماء الذوات، فالأفضل للأفضل.

واستدل أيضا من نفي الاسم عن الذات بقول الله - عز وجل -: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى).

واستدل بقوله: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) أنه أراد الألفاظ التي تدعوا بها الله فتقول: يا الله يا رحمن - فصرفوه إلى اللفظ دون المعنى، بدليل قوله: (فله الأسماء الحسنى).

وقال آخرون: إنما توجه قوله: (أيا ما تدعوا) إلى الله - عز وجل - بما دعوت بها: الله، الرحمن، الرحيم. وصرف المدحة إلى الأسماء، وصرف الآخر المدحة إلى الدعاء، واحتمل اللفظ واحتمل المعنى، فالأفضل أفضل والمفضول مفضول، فالرحمن هو الله، والله هو الرحمن.

وهذان اسمان لفظا ومعنى هما فرد، وصدق الفريقان.

صفحه ۲۷۸