439

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فمن عري من فضيلة هذه الأسماء ولم يعترف بالجهل لها كالملائكة، التحق بإخوانه الشياطين من ذرية إبليس اللعين.

ونحن نشير إلى حقيقة الأسماء ظن وغلط كل فريق فيها.

فأول ذلك: أن وجود الأسماء يقتضي ثلاث معان: وجودها في الأعيان، ووجودها في الأذهان، ووجودها في اللسان.

ونحن نشير إلى بداية الخلق من الجواهر إلى نهاية النطق التي هي ثمرة الخلق، فإن الله تعالى أول ما خلق الجواهر، فجعل فيها المسطقسات وهي الطبائع الأربع، التي هي: اليبوسة، والحرارة، والرطوبة، والبرودة.

فمن هذه الطبائع، فمزجت منها العناصر التي هي: الأثير، والهواء، والأرض، والماء.

ومزج اليبوسة والحرارة، فكان منهما الأثير.

ومزج الحرارة والرطوبة، فكان منهما الهواء.

ومزج الرطوبة والبرودة، فكان منهما الماء.

ومزج البرودة واليبوسة، فكان منهما الأرض.

فظهر فيما دون الأثير إلى المركز الذي هو الأرض ؛ عالم الكون والفساد، وما وراء هذا فعل جوهرية، وظهر في عالم الكون والفساد الجماد والموتان.

وانفرد بالأرواح الحيوان، فظهرت ثمرة الخلق في الحيوان، لأنه يغدو وينمو، ويفعل ويترك، ويختار ويكتسب، فخلق الله هذه الأجناس الثلاثة وهي: الملائكة والأنس والجن، فركب فيهم العقل، فهي آخر القضية.

والروح والعقل جوهران، وخلق الله النطق لهؤلاء الثلاثة، وخصهم به من سائر الحيوان، وأخرج فيه البيان والتبيان لعجائب ما في القرآن من شأن، منة وفضيلة من الرحمن، فخلق اللغات التي يتناطق بها الناطقون في الأزمان على ثلاثة أوجه، فكانت هذه الوجوه الثلاثة بحرا من البحور العظيمة التبيان، وخليجا من سائر الخلجان في جانب البحر المحيط الذي هو بحر المعاني، فتبارك الله أحسن الخالقين، وليقصر العيان عن ركوب هذا البحر الثاني.

ولنشر إلى أسماء الأعيان، ووجودها في الأذهان، وظهورها على اللسان.

صفحه ۲۷۵