359

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فلما وصل إلى قبره ناداه مرتين، فخرج أوريا من القبر ورأسه قد أبيض نصفه وبقي النصف الآخر أسود كما كان. فقال له داود: «لم أبيض نصف رأسك ؟».

فقال له أوريا: «لما ناديتني أول مرة أبيض نصف رأسي وحسبت أنها القيامة، فلما ناديتني ثانية علمت أنها الدنيا».

فقال له داود عليه السلام: «اجعلني في حل من قلبك».

فقال له: (أنت في حل من قلبي يا نبي الله، فجزاك الله عنا خيرا وما حملتنا عليه من دين الله وهديتنا إليه).

فرجع أوريا إلى قبره، وذهب داود عليه السلام راجعا إلى بلده. فنظر داود عليه السلام إلى قلبه متغيرا عما كان أول مرة. فقال: «يا رب غفرت لي وجعلني صاحبي في حل، فما بال قلبي !؟»

فقال الله تعالى: «إنك لم تفسر لصاحبك شيئا».

فرجع داود عليه السلام إلى قبر أوريا فناداه كأول مرة، فخرج أوريا فقال: (يا ولي الله إلى متى تروعني ؟)

فقال له داود عليه السلام: «إني سألتك الحل ولم أفسر لك القصة هكذا وهكذا».

فقال له أوريا: (أما إذا كان الأمر هكذا وهكذا فلا).

فانقلب أوريا واضطجع في قبره، فهناك هام داود عليه السلام على وجهه وصاح بأعلى صوته: «يا ويلاه». فما زال يقتحم النبات والشجر والحجارة ويقطع الأودية والتلال هائما على وجهه، حتى وقع وغشي عليه ساجدا.

ومكث فيما قالوا أربعين يوما ساجدا نبت البقل من دموعه، فأتاه الملك من عند الله تعالى وناداه فقال له: «يا داود قم، وقد غفر الله لك». ول يكترث به.

فناداه الملك ثانيا ولم يشتغل به. فقال له الملك: «ما أشبه أمروك بعضها ببعض، فأولها خطيئة وآخرها معصية». فرفع داود رأسه وقال: «يا رب كيف تغفر لي والمظلمة لغيرك ؟»

فقال الله تعالى: «إذا كان يوم القيامة أظهر من الجنة غرفا تعجب أهل الحشر، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال: لمن هذا ؟ فأقول (1): لمن غفر لأخيه مظلمته.

فيبادر أوريا فيقول: قد غفرت لداود نبي الله.

صفحه ۱۹۵