354

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وذلك أنه يوقع المؤمنين في الذنوب بقدرته، وأكثر ما يوقع المؤمنين في الذنوب شهواتهم ولذاتهم، فأحال الرب تعالى الذنب إلى إبليس وسهل الخروج منه على المسلمين.

فخالف الرب تعالى إلى فعل إبليس فسهل الخروج منه فعفاه ومحاه وحفاه ولاشاه، فنال المسلم شهوته في الدنيا وتخلص منها في الآخرة، وسهل لهم الخروج من الذنوب بالتوبة والحسنات والمصائب وشفاعة المصطفى وعفو الرب أعظم، وتورط فيها إبليس بسوء نيته وسوء اعتقاده وفعله، ولم يبلغ من المؤمنين جل أمنيته.

فأحال الرب تعالى للمؤمنين إحالة الذنب إلى إبليس اللعين، ووسع ذلك سائر المؤمنين رحمة من رب العالمين.

وفي سكوت موسى، ولم يرد عليه قوله، وأقره على ذلك، وقبل عند ذلك عذره، دليل على ما قلنا وبينا، والرسول لا يقر أحدا على المعصية وخلاف الشريعة.

ونحن نذكر فضل الله - عز وجل - على ما وسع لعباده المؤمين في النسيان.

فأول ذلك: هل يسوغ للعبد ويصلح له أن ينسى الله تعالى ؟

اعلم أنه لا يسوغ نسيان الله - عز وجل - قال الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) ذما مطلقا.

والنسيان هاهنا على وجهين:-

أحدهما: سائغ شائع وهو نسيان ذهل لو ذكر لذكر، كما ينسى الواحد بعض جوارحه وبعض أسنانه وبعض أضراسه وجل جوارحه ومهماته وغير ذلك، فهذا النسيان نسيان سهو ولهو ولغو.

والثاني: نسيان جهل، فهذا محال مانع، فلا يتذكر ولو ذكر، وهذا بعيد لأن أفعال الله - عز وجل - ظاهرة في العباد والبلاد أينما توجه العبد بعيد لقي ما يذكره، لأن هذا إلى الجحد أقرب لا إلى النسيان، كما أن الواحد لا ينسى ألم الضرب، ما دام يضرب، أو ألم الجوع إذا جاع.

وإنما يقع النسيان في هذا إذا تقدمه جحود وهذا غير معذور.

وأما نسيان المسائل التي لا يسع الناس جهلها على طريقة الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في التضييق من أول وهلة، فلن يسعه نسيان جهل فيها آخرا، والله أعلم، وأما نسيان ذهل فلا بأس.

صفحه ۱۹۰