دلیل و برهان
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وأنا أشير لك إلى حالة الإنسان في سفره إلى الله - عز وجل - والترقي في العلوم من أوله إلى آخر الغاية إن شاء الله تعالى.
أما بعد، فإن الله تعالى لما خلق ابن آدم في بطن أمه، فمكث في الرحم أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ووقع التصوير في عشرة أيام، وهي مائة وثلاثون يوما، وهي أربعة أشهر وعشر، وعند تمامها ينفخ فيه الروح، وعند نفخ الروح يقتبس العلوم الحسية ويتولد عنها اللذة والألم، فقام عنها علم الخيال اقتبسه من حواسه والحواس عادة ضعيفة.
فما زال كذلك حتى يخرج من بطن أمة، ومعه ملك مقترن معه من بطن أمه.
فلما خرج من بطن أمه قارعه الهواء بعد كن الرحم والشيطان، فصرخ الصرخة أول أملاحه والصيحة أول نياحه.
وأول ما يظهر من علومه الخيال فيؤديه يافوخه إلى دماغه، فما حصل إلى اليافوخ من الحواس أداه إلى مقدم الدماغ فصار خيالا.
وفي الدماغ ثلاث مقدمات، وثلاث قوى.
فالأولى: منفردة بعلم الخيال، وهي في مقدمة الوجه، وفيها يتردد الخيال ولا يتجاوزها.
والثانية: في وسط الدماغ، وتسمى الحافظة، وهي التي تحفظ جميع ما أداه الحس إلى القوة الخيالية إلى الحافظة وهي مغرس الوهم انفردت به.
والثالثة: وهي مركز الفكر، يتردد فيها الفكر في الأمور التي توهمها من خياله عن حواسه.
فأول ما سبق إلى الطفل بعد أن خرج من بطن أمه القوة الخيالية، فإذا اشتدت حواسه وقويت قليلا، قويت قوة الخيال وأدت إلى الثانية التي هي الوهم، وإن قوى الوهم أدى بقوته إلى القوة المفكرة، وإن قويت استعمل الفكر، وإن قوي استعمل القياس، فيقع للطفل الصغير التفرقة بين أبويه وقماش البيت وخشب الدار، وتقع له التفرقة بين أهل بيته وجيرانه، وتظهر له الحاجة ذات نفسه إلى أبويه وأبوتهما عليه، فعند ذلك تؤدي القوة المفكرة إلى القلب ما حصل عندها.
والملك الموكل الذي هو صاحب اليمين في إلهامه في جميع فجوره وتقواه، ليجتنب أو يمتثل ذا.
صفحه ۱۷۹