304

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وإنما وقعت الشبهة فيه لامتزاج الصوت والتصويت وتعذر الانفصال. وأما كلامنا وقولنا ومنطقنا وقراءتنا فهي أفعالنا، وكذلك تصويتنا. وأما صوتنا فهو فعل الله - عز وجل - وهو جسم، أفعالنا أعراض .

فإن قال قائل: ما الفرق ؟ قيل له: إنا وجدنا العبد يتكلم ويقول وينطق ويقرأ من غير صوت، فكان الصوت شيئا طارئا على هذه المعاني، والصوت شيء واحد، جعله الله تعالى حد المستمع بالسمع.

وأما الكلام وأخواته قد يقع من غير ما صوت، وأول ذلك الكلام فيحده تحريك اللسان بالحروف والشفتين، وتقتضي بنظمها المعاني.

فإذا وقع تأليف حروف باقتضاء معاني سمي كلاما وقولا ومنطقا وقراءة.

وقد يقع الكلام بصوت وبغير صوت، وإنما الصوت بعض أوصافه غير الملازمة، ألا ترى أنك تقول: كلمته إيماء وإشارة ورمزا، وليس في شيء من هذا صوت. كما قال الله تعالى عن زكريا عليه السلام قال: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا).

وأما القول كما حدوه في الكلام: أنه حروف منظمة تقتضي معاني. قال الله - عز وجل -: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول). وهذا القول باللسان يخاطب نفسه من غير ما صوت، إلا بنظمه الحروف بلسانه.

فإن عورضنا وقال: إذا جعلتم القول في النفس من غير ما صوت، فقولوا في الكلام كذلك، فهذا دليل أن الكلام كلام الله - عز وجل - صفة له في ذاته أزلية.

قلنا: لابد من الكلام والقول من نظم الحروف، فيتعدى ذلك النفس، فإن لم تكن حروف ولا نظم كان علما، والعلم اعتقاد في النفس، والكلام والقول معنى جاوز النفس إلى نظم الحروف المعنوية، فهذا الفرق بين العلم وبين الكلام في النفس، وبين القول أيضا.

ولابد من معنى زائد على العلم وهو تصوير المعنى في النفوس، وهذا الزائد هو القول ويكون بغير صوت ولا يتوجه إلى الغير.

صفحه ۱۴۰