دلیل و برهان
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
ثم أن عمر قال لحاجبه يوما واحدا: (لا يدخلن علي أحد إلا أموي) لا يأذن لغيرهم، ولا يستأذن لغيرهم، فلما اجتمعوا قال لهم عمر بن العزيز: (إني نظرت إلى ما في أيديكم من مال الفيء، فوجدته يزيد على الثلث أو على النصف، فالآن انخلعوا عما في أيديكم من مال الله)، فسكتوا ولم يحيروا جوابا، وقال لهم ثانية فسكتوا، وقال لهم ثالثة فأجابه العباس بن عبد الملك ابن مروان، وكان أسن القوم فقال: (إن هذه الأموال جعلتها الخفاء لأجدادنا وآبائنا لسنا ننضه، أنفقر أبناءنا ونكفر آباءنا ؟ لسنا بفاعلي ذلك، ما دامت هذه - وإشارة برأسه - على كواهلنا).
فسكت عمر هنيهة ثم قال: (وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من هذا المال علي فتقاتلونني بهم ما فرجتهم منها أو تتركوه) وقال لهم: (انصرفوا) فانصرفوا.
فكان من رأي عمر استرداد ذلك كله.
ولأمير المؤمنين فيه الخيار إذا دخلوا في الإسلام كرها، وأما إن دخلوه طوعا فلا.
وإن اكتسب الوالي من عطاياه الأموال والرباع والمنازل والقصور، ثم أبصر، فرجع إلى دين المسلمين فهو له خالصا ولو لم يرجع على مذهب المسلمين، وكذلك ما يصيبه من عطاياه.
وأما إن أمره الملك بالمصانع من الرباع والديار والحمامات والقناطر والأجنة والمحارث والشجار، وامتثل ذلك كله وأخذه وتملكه، إلى أن زال سلطان الملك الأعظم، أو زالت ولايته هو، فإن ذلك كله مردود في بين مال المسلمين، إلا أن يهبه له أمير المؤمنين بديا المرجوع إليه المر الآن، وجميع ما يحدث في الفيء فهو فيء، إلا أن اقتطعه لأحد، فله ما اشتغل، ومرجوع الفيء إلى الفيء.
وكذلك حكم القضاة وما استغلوه على هذا النعت، والفيء ما دام وقفا لم يدفعوه لأحد فلجميع المسلمين أن يأكلوا منه بأفواههم، ولا يتخذوا منه خبية ولا تبانا ولا حال.
صفحه ۶۲