209

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

والفريق الذين شكوا إنما شكوا في تحلة دم عثمان، وادعت أن ذلك لها حلال ولهذا المعنى صار الأمر فتنة، والفتنة عند العرب غير مذمومة. وإنما هي التحير والمشغلة، ومنه قول عمر بن الخطاب الذي سمعه يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفتنة). فقال عمر: (قل: اللهم إني أعوذ بك من الضغاطة، أتسأل الله أن لا يرزقك مالا ولا ولدا).

ومنه قول الله - عز وجل -: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فلهذا قال الله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون).

فمن صحت نيته واجتهاده عند علي سلم من الفريقين جميعا، ومن خبثت نيته وخان اجتهاده عند علي فهم المخصمون عند الله تعالى.

فجميع أهل الشام مجتهدون عند علي إلا معاوية وعمرو، فإنهما قد عرفا من الأمر ما عرفه علي وأهل العراق، لأن أهل الشام لم يكلفوا علم ما غاب عنهم من الأمور واعتقادهم أن عثمان هو الخليفة وأنه أمير المؤمنين وأنه أفضل الخلق وانه أصبح مقتولا، ولم يأت من الأمور التي قيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنها تحل بها دماء المؤمنين شيئا، وتعلقت قتلته بأمور أخر غير التي قيد رسول الله عليه السلام فلم يقع الاتفاق عليها، وهذا رأي من آراء علي وليس من رأي أهل الشام.

وهذا المعنى الذي عابوه في مالك بن أنس: (أنه أباح القتل تأديبا واستصلاح الثلثين بالثلث).

وقد حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين»، ولا يقبل قول المهاجرين والأنصار أنه قتل مظلوما وإمامهم عائشة أم المؤمنين ثم عبد الله بن سلام ثم زيد بن ثابت ثم القتلة بنفوسهم المعترفين كطلحة والزبير وغيرهم، وأي فتنة أعظم من هذه ؟

وهؤلاء يقولون نحن الحكام وولاة دين الله العلي العظيم واستظهروا بعمار بن ياسر أن الحق يزول مازال عمار.

فأعظم منه الشاكة توقفوا في دم عثمان وهم بالحضرة.

صفحه ۴۵