دلیل و برهان
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وأما العقليات واللغويات، فسنشير لك، إن شاء الله إلى لمع تضبطها للحاجة الماسة إليها في مسألتنا هذه. والله الموفق للصواب.
وقولنا: وجوب الواجبات. فإن الله تعالى خلق المكلف، وركب فيه العقل، وغرز في العقل هذه العلوم الثلاثة، وجعلها فطرية لم تختلف العقلاء عليها منها وجوب الواجبات، كدلالة الفعل على فاعل، والصنعة على صانع، والحدث على محدث، ففي فطرة كل عاقل، أنه إن ثبت عنده حدوث شيء ثبت عنده وجود صانعه، وهذه من الواجبات، وهي مسألة شيخنا أبي نوح سعيد بن زنغيل - رضي الله عنه - مع وزراء أبي تميم معاذ، حين سألهم: ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعا ؟ فشرعوا في الجواب وأخذوا في الأدلة، ولم يصنعوا شيئا.
فقال أبو تميم: أجيبوا ابن زنغيل حيث يفهم.
قال الشيخ: فنظرت إلى وجهه فرأيته متبسما، فرددت إليه المسألة.
فقال: أعد سؤلك. فأعدته.
فقال: قولك صنعة، دليل على أن لها صانعا. وقنع الشيخ - رضي الله عنه - بهذا الجواب، ولكن لم يرد مطالبته بما وراء ذلك، وليست المسألة الأولى إلا من جهة العقل لا من جهة الدلالة، وإنما الدلالة في تثبيت الصنعة أنها صنعة، وأما ما وراء ذلك فقلبي.
ومن الواجبات معرفة بقاء القديم واستحالة الفناء عليه، وأن من سبق الحدث فقديم، وأن من عرفته حيا عرفته موجودا، وأن من عرفته عالما عرفته حيا، وأن من عرفته قادرا عرفته عالما، وأن من عرفته مريدا كارها عرفته قادرا، ومن عرفته راضيا ساخطا عرفته مريدا كارها، ومن عرفته فاعلا عرفته راضيا ساخطا.
وهذه المسائل من ضروريات العقول، والمسألة مطردة ومنعكسة وتنعكس المسألة.
وإن من عرفته فاعلا عرفته راضيا ساخطا، ومن عرفته راضيا ساخطا عرفته مريدا كارها ومن عرفته مريدا كارها عرفته قادرا، ومن عرفته قادرا عرفته عالما، ومن عرفته عالما عرفته حيا، ومن عرفته حيا عرفته موجودا.
صفحه ۷