بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة أخبرنا الشيخ الفقيه العالم المُقرئ أبو الحسن عليٌّ بن أبي الفتح المبارك بن الحسن بن أحمد بن ماسويه الواسطي بقراءتي عليه بجامع دمشق عمَّره الله بذكره، قلت له: أخبركم الشيخ الإمام العالم الحافظ أبو بكر محمَّد بن أبي عثمان بن موسى الحازمي قراءة عليه وأنت تسمع في مجالس آخرها الثَّالث عشر من ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة قال: الحمد لله بارئ النَّسيم، وخالق الأنوار والظُّلَم، ومُوجِد الأشياء من العدم، الذي أبرم فأحكم، وأجزل فأنعم، وعلَّم الإنسان ما لم يعلم، وصلَّى الله على النبيِّ المبعوث بالدِّين الأقوم، وعلى آله وصحبه ذوى السَّبق الأقدم. أمَّا بعد، وفَّقك الله وإيَّانا للوصول إلى ماهيَّة الأشياء والاطِّلاع على خفايا العلوم، إن الطَّالب للحديث الذي هو منبع الأحكام، وعليه تبنى دعائم الإسلام، يفتقر إلى معرفة علم الحديث إذ هو آلته، وبه يمكن تصحيحه وتثبيته. ثمَّ علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تقرب من مائة نوع، ذكر منها طائفة أبو عبد الله الحافظ رحمة الله عليه في معرفة أصول الحديث وكل نوع منها علم مستقل لو أنفد الطالب فيه عُمُرَه لما أدرك نهايته. ولكن المبتدئ يحتاج أن يستطرف من كل نوع، لأنها أصول الحديث، ومتى جهل الطالب الأصول، تعذَّر عليه طريق الوصول.

1 / 3

ومن أصول الحديث معرفة الأنساب، وأهمها معرفة أنساب العرب، فإنها تنتسب إلى القبائل، وهي تفانت، وطريق إدراك معرفتها النَّقل. وأما العجم فإنها لا تكاد تنتسب إلى أب قديم إلاَّ نادرًا، وأكثر انتسابها إلى الأمكنة والصّنائع. أمّا الأمكنة فأكثرها مشهورة مدركة بالأخبار المتواترة، غير مفتقرة إلى تجشُّم بحثٍ وتكلُّف سَبْر، إلاَّ أمكنة يسيرة تحتاج إلى استكشاف، إما لبعدها عن حوزة الإسلام وإمّا لبعدها عن حوزة الإسلام وإما لخمول ذكرها نحو القرى والجبال والأودية. وهذه وإن كانت مفتقرة إلى البحث عنها لخفائها فلا تلحق القبائل في غموضها، فإنها ربما لا تكون مشهورة في غير صُقعها وهي في أصقاعها. وأما القبائل فإنها مفتقرة إلى البحث التَّامّ فإن أكثرها أودت، ومن بقي من نسلها ربَّما تعذَّر عليه التمييز بين آبائه فضلًا عن آباء غيره لقلَّة اكتراثه بضبط أنسابه، فرُبَّ رجل يزعم أنه عدوىّ، فلو قيل من أي عدىّ لاستصعب عليه علم ذلك. وأمل الصنائع فهي مشهورة شائعة لاشتراكها بين العرب والعجم. وإنَّما ذكرت هذا الفصل ليعلم المبتدئ قدر مأخذ هذا العِلْم. وقد ألَّف جماعة من الأخباريِّين تواليف جمَّة في هذا العلم وأطنبوا فيها، وذكروا ما يلزم الحديثيّ معرفته وما لا يلزمه، ولو تتبَّع كتبهم لفلت وقته والوقت عزيز. فجمعت في هذا الكتاب، بعد ذكر مقدمة لا بدَّ منها في معرفة اصطلاح النُّسَّاب، الأنساب المتداولة بين أهل الحديث، ورتَّبتها على حروف المعجم. وربَّما أذكر من كل قبيلة نسبًا مُتّصلًا أو رجلا أو رجلين تنبيها للمبتدئ، ولم أذكر من الاختلاف والاشتقاق إلاَّ اليسير، والله مسهِّل العسير.

1 / 4

أمَّا ذكر المقدِّمة فاعلم وفقك الله أنَّ في العرب أرحاءً وجماجم وشعوبا وقبائل، أمَّا الأرحاء من العرب فستّ، والجماجم تسع، وسائر العرب قبائل وعمائر ليست بأرحاء ولا جماجم. فأما الأرحاء من ربيعة: فبكر بن وائل، وعبد القيس؛ ومن مضر تميم، وأسد، ومن اليمن كلبٌ وطّيء. وإنَّما سمِّيت أرحاء لفضل قوَّتها وعددها على سائر العرب، ولأنها حمت دورًا مياهًا ومرابع لم يكن للعرب مثلها فدارت في دورها دور الرَّحى على أقطابها، لا تفارق دورها طلبًا للنَّجعة وإنما تردَّدُ فيها كدور الرَّحى، ولم يكن لقيس رحىً لضيق دارها. وأمَّا الجماجم فاثنتان في ربيعة، وأربع في مضر، وثلاث في اليمن. فجماجم مضر: غطفان بن سعد قيس عيلان، وهوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وتميم بن مرّ بن أُد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وكنانة بن مدركة بن خزيمة بن إلياس بن مضر. وجماجم ربيعة: بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعميّ بن جديلة ابن أسد بن ربيعة، وعبد القيس بن أفصى بن دعميّ. وجماجم اليمن: مذحج واسمه مالك بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، والأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن أُدد بن زيد بن

1 / 5

كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وأسمه يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وقضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ. وكانت بكر بن وائل تعدل في الجاهلية بتميم بن مرّ فسُمِّيتا الجُفَّين. وتغلب ابن وائل تعدل بالأزد وهما الكرشان؛ وطيء بن أُدد بن زيد بن يشجُب تعدل بأسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهما الحليفان. ومذحج تعدل بقُضاعة. وكنانةُ بن خزيمة تعدل بهوازن بن منصور. وبكر بن وائل تعدل بكندة بن عفير بن الحارث بن مُرَّة بن أُدد. وتغلب ابن وائل تعدل أيضا بضبَّة بن أُدّ، وتُعْدَلُ أيضًا بتميم عددًا. ثمَّ العرب شعوبٌ وقبائلٌ، والعجم شعوبٌ لا غير، لأنا ذكرنا أنها لا تنتسب إلى آبائها. فأول العرب شعوب ثم قبائل ثم عمائرٌ ثم بطونٌ ثم أفخاذٌ ثم فصائل ثم عشائر. فالشعوب تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل، والفصائل تجمع العشائر. مثلًا أولاد المنصور

1 / 6

عشيرةٌ، وبنو العباس فصيلةٌ، وبنو هاشم بن عبد مناف فخذٌ، وقصيٌّ بنُ كلاب بطنٌ، وقريشٌ عمارةٌ، وكنانة قبيلةٌ، ومضر شعبٌ. وقيل إنما فصِّل هذا التفصيل تشبيهًا بالإنسان. فالشَّعبُ من شُعب الرأس ومنه لتَشَعَّب القبائل، والقبائل مأخوذة من قبائل الرَّأس وهي الأطباق واحدها قبيلةٌ؛ والقبيل غير القبيلة، قال الأزهريّ: القبيل: الجماعة ليسوا من أبٍ واحد وجمعه قُبُل، فإذا كانوا من أب واحد فهم قبيلة. ثم عمائر الصَّدر، وفيه القلب؛ ثم البطون كالبطن الذي استبطن الكبد والرِّئة والطِّحال والأمعاء، فصار مسكنًا لها؛ ثم الأفخاذ كالفخذ أسفل البطن؛ ثم الفصائل كالرُّكبة لأنها انفصلت من الفخذ؛ ثم العشيرة كالسَّاقين والقدمين في أنها تحمل ما فوقها بالحبِّ وحسن المعاشرة ولا يثقل حملها عليها. ويقال إنما سمِّيت العرب الشُّعوب لأنهم حين تفرقوا من إسماعيل وقحطان صاروا شعوبا، قال فيهم الشاعر: فبَادُوا بعد إمَّتِهم وصَارُوا ... شُعُوبًا شُعِّبتْ من بَعْد عَاد ثم القبائل، حين تقابلوا ونظر بعضهم إلى بعض في حلة واحدة وكانوا كقبائل الرأس، ثم العمائر حين عمروا الأرض وسكنوها، ويقال إنَّ اسم كل واحد منهم عامر، ثم البطون حين استبطنوا الأودية ونزلوها وبنوا البيوت بالشعر ودعموها فقالت العرب: بيت فلان، وبقي من آل فلان بيتان، وهم أهل الأبيات والبيوتات، ثم الأفخاذ، والفخذ أصغر من البطن، ثم الفصائل وهم الأحياء حين انفصلوا من الأفخاذ، قال تعالى:

1 / 7