العقد الثمين
العقد الثمين في تبيين أحكام الأئمة الهادين
وأما قولهم: لابد في الأمة من معصوم، فمعلوم أن مخبر الأخبار المتواترة لايعتبر(1) فيه العصمة لأن العلم بكثير من الملوك، والبلدان وصل إلينا بنقل الكفار، فلو قال بعض الناس: لاأعلم مانقله الكفار من أخبار الملوك، والبلدان لألحقه العلماء بالسوفسطائية، ومنكري المعلومات، والحقائق، ولأن الأمة معصومة في قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}[النساء:115]، فأوجب اتباع سبيل المؤمنين، ولولا أن عصمتهم فيما أجمعوا فيه ثابتة لما أمر الحكيم سبحانه باتباع سبيلهم لأنه لايأمر إلا بالحق.
وكذلك العترة الطاهرون قد ثبتت عصمتهم فيما أجمعوا عليه،
فيكفي في أمر الشريعة النبوية نقل العترة، ونقل الأمة، والكل من الفريقين قد ملأوا الآفاق تصانيف، وعلوما مشهورة عند أوليائهم معلومة لا ينازعهم فيما أجمعوا عليه منها منازع، ولا يدفعهم عنه دافع.
[شبهة: في العصمة والرد عليها]
شبهة في العصمة
قالوا: لو لم يكن معصوما لاحتاج إلى إمام كما احتاجت إليه الرعية لأن العلة في الحاجة إليه داعية.
الكلام في ذلك: إن عصمته لاتخلو إما أن تراد للمنع من ظاهر المعاصي مع التمكن على الشرائط، أو يراد ارتفاع المعاصي جملة.
فإن قال: إن المراد به رفع ظاهر المعاصي على الشرائط المعتبرة.
قلنا: فيكفي في ذلك سلامة ظاهره من دون اعتبار عصمته لأنه إن فرط في شيء من ذلك بطلت إمامته، وإن استقام عليه علمنا سلامة ظاهره، وتعبدت الأمة بطاعته لأن من أمر بطاعة الله تعالى لزمت مساعدته في الواجب، وكان ندبا اتباعه في المندوب.
صفحه ۳۹۲