وقد يكون من المفيد حقا أن ترجع إلى «صبح الأعشى» وغيره من المظان الأدبية لتقف بنفسك على خطب القوم الممتعة أسلوبا، الفخمة لفظا، الغنية معنى في ذلك العصر الزاهر. (5) الكتابة
الكتابة - سواء أكانت في تدوين العلوم والفنون وضبط الشئون العامة أم في إنشاء الرسائل ومعالجة الكلام المنثور - لا ترقى بل لا تكون إلا في الأمم التي أخذت بقسط من التحضر، فكانت لها حكومة منظمة، ودواوين معددة، وصناعة منوعة، وزراعة نامية، وتجارة رائجة؛ لذلك لم يكن لأحد من الشعوب العربية في الجاهلية حظ من الكتابة إلا بمقدار ما له من حظ من الحضارة.
وقد كانت الكتابة معروفة عند التبابعة جنوبا، والمناذرة والغساسنة في الشمال، حين كان لأولئك وهؤلاء من الحضارة نصيب، أما البدو من سكان أواسط الجزيرة فلم يعرفوا الكتابة إلا حين عرفوا الخط في أواخر العصر الجاهلي، وقد كان حظ الكتابة فيهم حظها في أمة بادية قليلة الشئون؛ لذلك لم ينلها في الرقي ما نال أخويها الشعر والخطابة، فلما جاء الإسلام وصار للعرب حكومة منظمة، وفتح الله عليهم أقطار الأرض، اشتدت حاجتهم إلى الكتابة، فأخذت سبيلها إلى الرقي والكمال، حين صارت حاجة من حاجات الدولة.
بيد أن الكتابة لم تبلغ كمالها الممكن - في التنسيق وإبلاغ الحاجة، وفي اتساع ما تناولته من شئون الدولة والناس - إلا بعد أن نقلت الدواوين التي كانت بالفارسية في فارس، والرومية في الشام، والقبطية في مصر إلى العربية في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وإلا بعد أن ظهر في العربية كتاب صقلهم الاطلاع على آداب الفرس وغير الفرس، من الأمم التي كانت لها قدم راسخة في الحضارة؛ كابن المقفع وعبد الحميد الكاتب.
على أنا لسنا نرمي بذلك إلى أن لا بلاغة في ذلك العصر بغير اطلاع على بلاغة الأمم الأخرى؛ لأن في بلاغة القرآن وأحاديث الرسول
صلى الله عليه وسلم
وخطب الخلفاء وتراث الجاهلية الكنز الذي لا ينضب، والمعين الذي ينهل من أفاويقه كتاب العصر غير منازع ولا مدافع، وإنا لنعثر في مظان الأدب العربي على أمثلة ناضجة لما نقول؛ فهذا كلام أم الخير
2
والزرقاء وعكرشة بنت الأطرش ، فإنه لمما يتخذ خير مثال للنثر في العصر الأموي.
وسنثبت لك في باب المنثور من الكتاب الأول في المجلد الثاني رسالتين ممتعتين نعتبرهما بحق من خير المنثور العربي؛ إحداهما تلك الرسالة المنسوبة لأبي بكر الصديق، والتي قيل إنه كتبها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهي تمثل عصرها بلاغة وفخامة، والثانية رسالة عبد الحميد بن يحيى الكاتب، قيل إنه كتبها عن مروان بن محمد لعبد الله بن مروان حينما أرسله لقتال الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، فهي فريدة في نوعها رشاقة أسلوب وسمو معنى. (6) حالة الشعر في العصر الأموي وتحوله
صفحه نامشخص