تأمل السلطان أمين المكتبة للحظة قبل أن يشير إليه بالوقوف. «إنك رجل متدين، أليس كذلك؟» «بلى يا فخامة السلطان، إنني أبذل قصارى جهدي.» «إذن أحضر لي مصحفا.»
نفذ أمين المكتبة الأمر، وفتح عبد الحميد المصحف على السورة الأولى. «هل تقسم بالمصحف وبالرسول عليه الصلاة والسلام وبالخلفاء الراشدين أنك لم تتحدث مع أي شخص على الإطلاق عن ذلك الأمر؟»
فوضع أمين المكتبة يده على المصحف.
وقال وفتحتا أنفه تتسعان خوفا: «من المحتمل يا فخامة السلطان أنني لم أوضح لأمين محفوظات القصر أو للكتبة الذين ساعدوني الطبيعة السرية لهذه المهمة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنني أتحمل المسئولية كاملة عن ذلك. وأنا على استعداد لتقديم استقالتي إذا كان ذلك مناسبا.» «وفيما عدا أمين محفوظات القصر والكتبة، هل أخبرت أي شخص بهذا الطلب؟» «كلا يا فخامة السلطان، وكما ترغب فإنني أقسم بالمصحف الشريف وبالرسول عليه الصلاة والسلام أنني لم أفعل.»
قال السلطان وهو ينهض من أمام المكتب: «حسنا، أرجو أن تحضر الصناديق إلى غرفتي فور الانتهاء منها.»
وعندما غادر عبد الحميد الغرفة، انهار أمين المكتبة على ركبتيه ووضع جبهته على الأرض.
الفصل الحادي والعشرون
جلست إلينورا وحيدة على رأس مائدة طعام البك اللامعة تتأمل كسرات الخبز المتبقية من طعام إفطارها. كان قد مر أكثر من أسبوع منذ مقابلتها السلطان، ولكن ذكرى تلك المقابلة لا تزال حية تطفو على حافة ذاكرتها كبالون من الهواء الساخن. قلبت الرشفة الأخيرة الفاترة من فنجان الشاي بأصبعها الصغير ولمسته بشفتيها. في الصباح الذي تلا المقابلة، تناقشت هي والبك بالتفصيل في تجربة مقابلتها بالسلطان. وصفت له حديقة القصر، والحرس، والوزراء وموظفيهم، والمأزق في البحر الأسود، ونصيحتها للسلطان. استمع البك إلى وصفها بفخر واهتمام شديدين، وخاصة بعد أن اتضح أن السلطان قد عمل بنصيحتها. ولكن همه الأكبر كان بشأن ما إذا كان السلطان أو الصدر الأعظم قد وجه إليها أي أسئلة عنه هو شخصيا أو عن عاداته اليومية أو أي شيء من هذا القبيل. مسحت إلينورا فمها بمنديل، وقلبت بإبهامها مجموعة من فتات الخبز حول حافة طبقها، محاولة أن تتذكر بعض التفاصيل الأدق عن القصر: التقوس البسيط في سقف غرفة المقابلات، ورائحة الليلك واللافندر، والمثلثات الفضية المتداخلة المطرزة على ياقة قفطان الصدر الأعظم، وأشكال الضوء التي تسقط من خلال فروع أشجار الجوز حول النافورة الضخمة.
استغرقت في تلك الذكريات حتى سمعت قرعا على الباب الأمامي ووقع خطوات واثقة تدخل المنزل، ورأت أن تلك الخطوات لمجموعة من حمالي القصر. راقبتهم من خلف عضادة الباب وهم يسيرون عبر الباب الأمامي كموكب من الخنافس الأرجوانية، وكل منهم يحمل صندوقا خشبيا بحجم صندوق الأمتعة. أزيحت السجادة الضخمة في غرفة الجلوس بعيدا، وكدست الصناديق أزواجا في المساحة بين مائدة استقبال الزائرين والباب الأمامي. ظل السيد كروم وأحد مندوبي القصر يراقبون الموكب في صمت، وعندما وضع الصندوق الأخير في مكانه أبرز المندوب حامل مستندات فضيا من خلف ظهره. «هذا للآنسة كوهين.»
قال السيد كروم: «سوف أتأكد أنه قد وصل إليها.»
صفحه نامشخص