عرائس البيان في حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
والضراء يكون مغلوب قهره ، متروك حظه ، محروما من مراده ، محجوبا عن الله بغير الله ، باقيا في فوات المراد ، ومن كان بهذه الصفة فهو ظالم ؛ حيث وضع الربوبية عند من لا يستقيم في العبودية.
قال شقيق : الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه الضر ممن لا يملك الدفاع عن نفسه ، ومن عجز عن إقامة نفسه كيف يقيم غيره! قال الله : ( فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ).
ثم زاد تأكيدا إليه في رجوع عباده بالكلية وإعراضهم عما سواه بقوله : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ): عرف حبيبه أن كل حركة من العرش إلى الثرى فهو تعالى محركها ، وكل روح وجسد وقلب ونفس وهمة وعقل وكفاية مستغرقة في بحار مقاديره لا يجري عليهم إلا موارد القضاء والقدر ، وكل مشيئة في الامتحان بالضر وإيصال النفع تصدر من حكمة السابق ، فينبغي ألا يرى الغير في البين ، ( وإن يمسسك الله بضر ) الحجاب ( فلا كاشف ) لذلك ( إلا ) ظهور أنوار وصاله ، ( وإن يردك بخير ) كشف جماله ، ( فلا راد ) لفضل وصاله من سبب ، وعلة من الألوان والأعمال ، فإن المختص في الأزل بوصالنا لا يحتجب بشيء من الأشياء ؛ لأنه في الفضل السابق مصون عن جريان القهر.
ثم علق ذلك بمشيئته السابقة ، وأخرجه عن اكتساب البشر بقوله : ( يصيب به من يشاء من عباده ) من عرفانه ؛ لأنه ساتر الأولياء في قباب عصمته عن طوفان قهره رحيم بهم ؛ حيث رباهم بجماله ، وآواهم إلى وصاله.
قال ابن عطاء : قطع الحق على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه بإعلامه أنه الضار النافع.
قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ): الحق هو القرآن في ظاهر التفسير وحقائقه وتجلي ذاته في صفاته ، وصفاته في فعله ، فوصل بركة تجليه إلى كل مبارك ، وانصرف نوره عن كل محروم ، ثم بين سبحانه أن عروس القدم قد انكشف لأهل العدم ، فمن رآه رآه بحظه الوافر ، ومن أخطأه أخطأ طريق النجاة بقوله : ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ): أي : من عرفني فمعرفته راجعة إليه ، ومن جهلني فجهله راجع عليه ، فإن ساحة الكبرياء منزهة عن معرفة العارفين وجهل الجاهلين ؛ حيث ما استوحش حين جهلوه ، وما استأنس حين عرفوه ، ثم بين أن المتولي تعالى
صفحه ۱۰۳