596

عرائس البيان في حقائق القرآن

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
ایران
امپراتوری‌ها و عصرها
عباسیان

ثم يفنيهم بقهر سلطان غيرته ، ومرجعهم إلى معدن الأول ، ثم يعيدهم رحمة وشفقة ليجازي العارفين بكشف جماله بقوله : ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ): أي : يجزي الذين شاهدوا بقلوبهم مشاهد الملكوت بكشف جمال الجبروت ، ويجازي الذين أصلحوا سرائرهم لنزول أنواره يجازيهم بمداناة وصاله.

يا أخي من رجع من سفر البعاد إلى قرب محبوبه يفرح المحبوب بمقدمه ، ويعطي نفسه لمريده وزائره ؛ فإنه سبحانه يكشف نقاب الغيرة عن جمال مشاهدته لكل أواب إليه.

أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا

أيا ذاك لا أنساك ما هبت الصبا

قال الجنيد : ( إليه مرجعكم جميعا ): منه الابتداء وإليه الانتهاء ، وما بين ذلك مراتع فضله وتواتر نعمه ، فمن سبق له في الابتداء سعادة أظهر عليه في مراتعه وثقلته في نعمه بإظهار لسان الشكر وحال الرضا ومشاهدة المنعم ، ومن لم يجر له سعادة الابتداء أبطل أيامه في سياسة نفسه ، وجمع الحطام الفانية ليرده إلى ما سبق له في الابتداء من الشقاوة.

قال الله : ( إليه مرجعكم جميعا ): فالراجع بالحقيقة إليه هو الراجع مما سواه إليه ، فيكون متحققا في الرجوع إليه.

قال الأستاذ : الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح كان لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند محبيه وذويه.

ويقال : المطيع إذا رجع إلى ربه فله الحسنى والثواب والزلفى ، والعاصي إذا رجع إلى ربه بنعت الإخلاص وخسران الطريق فيلقى لباس الغفران ، وحلة الصفح والأمان ورحمة مولاه خير له من نسكه وتقواه.

قال تعالى : ( وعد الله حقا ): فموعود المطيع الفراديس الأعلى ، وموعود العاصي الرحمة والرضا والجنة لطف الحق ، والرحمة وصف الحق ، فاللطف فعل لم يكن ثم حصل ، والوصل نعت لم يزل.

وقال الأستاذ في قوله : ( إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ): من كان له في جميع عمره نفس على وصف ما ابتدأ الحق به ففي الإشارة يكون له إعادة.

ولقد أنشد قائلهم :

كل نهر فيه ماء قد جرى

فإليه الماء يوما سيعود

ثم وصف الله تعالى نفسه بالقدرة الكاملة والإرادة القائمة بتنوير العالم بنوره.

صفحه ۶۶