عرائس البيان في حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
من قلزم القدم.
ولو لا تلك الأهلية لما كان فردا في الصحبة ، وكان الصديق في منزل ما كان محمد ، وكان الله ولم يكن معه شيء من شقائق قدسه ، وبرق من بروق أنوار أنسه ، خرجا من تلك الأنوار ودخلا بها في الغار ، وعرف الحبيب الصديق خصائص المعية معه حين ورد عليه طوارق الامتحان ، وأخرجته من رؤية الحدثان ، بقوله : ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) أي : لا يحزن بتغير الاصطفائية ، وانكسار حصون العصمة ، فهو معناه بمعنى القدرة والعلم الأزلي ، وعناية الأبدية ، وظهور مشاهدته من حيث القلب والروح والعقل ، بوصف المناجاة والمداناة.
وقال ابن عطاء في قوله : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار ).
قال : في محل القرب في كهف الأنوار في الأزل.
وقال في قوله : ( لا تحزن إن الله معنا ): ليس من حكم من كان الله معه أن يحزن.
وقال الشبلي : ( ثاني اثنين ): تشخصه مع صاحبه ، ووحد الواحد بقلبه مع سيده.
وقال ابن عطاء في قوله : ( إن الله معنا ) معناه : إن الله معنا في الأزل حيث وصل بينا ، ووصل الصحبة ، ولم يتفضل.
قيل في قوله : ( لا تحزن ): كان حزن أبي بكر رضي الله عنه ؛ إشفاقا على النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : شفقة على الإسلام أن يقع فيه وهن.
وقال فارس : إنما نهى عن الحزن ؛ لأن الحزن عنه ، وإنما هو تعريف أن الحزن لا يحل بمثله ؛ لأنه في محل القربة.
وقيل : أخرجتهما الغيرة إلى الغار عليهما الحق ، فسترهما عن أعين الخلق ؛ لأنهم كانا في مشاهدته يشهدهم ويشهدونه ، ألا ترى كيف يقول عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (1) مشاهدا لهما ، وعونا وناصرا.
ويقال في قوله : ( نصره الله ) من تلك النصرة أبقاه إياه فيما أبقاه به من كشوفاته في تلك الحالة ، ولو لا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه.
ويقال : صحيح ما قالوا للبقاع دون ما خطر ببال أحد ، أن ذلك الغار يصير مثوى ذلك السيد صلى الله عليه وسلم ؛ ولكن يختص بقسميه ما يشاء ، كما يختص برحمته من يشاء.
ويقال : علقت قلوب قوم بالعرش ، فطلبوا الحق منه.
صفحه ۱۷