346

عرائس البيان في حقائق القرآن

عرائس البيان في حقائق القرآن

مناطق
ایران
امپراتوری‌ها و عصرها
عباسیان

ما كانوا يعملون (43))

قوله تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) وصف سبحانه أهل الامتحان الذين تهتف هواتف الإلهام بالخطاب لقلوبهم من الغيب فيستقبلونها بمعارضة نفوسهم ، ويكذبون خواطر الحق بخاطر الباطل حين لم يعرفوا الإلهام من الوسواس ، وذلك من وقر الضلالة في آذانهم ؛ حيث لم يلقوا أسماعهم في مقام الشهود إلى الله ، ولم تذكر اسم الله ألسنة أسرارهم بوصف الهيبة والمحبة ، وذلك من بقايا نفوسهم في ظلمات هواها.

ومعناه : أي من كذب خواطر الحق الواردة من عندنا حين ألهمنا بخالص الإيمان بكرامات أوليائنا ومعجزات أنبيائنا تغطى آذان أسراره ، وأبصار بصائره بغشاوة الضلالة ؛ حتى لا يسمع كلامنا في الغيب ولا يرانا في الملكوت ، ويبقيه في ظلمات نفسه الأمارة وشيطانه الكافر ، ولا يقدر أن يتكلم بذكرنا ومعرفتنا.

قيل : لم تصدقوا إظهار كراماتنا على المقربين من عبادنا عموا وصموا عن أنوار الملاحظات ، وبقوا مع ظلمات النفوس ، وهواجس الهياكل.

وقوله تعالى : ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) المشيئة تقع على المقبولين والمطرودين على الإبعاد والقبول والرضا والسخط ، بما جرى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة ، فمن لم يكن صادقا في بدء إرادته يغويه الحق في ظلمات قهره غيرة على وصله ؛ حتى لا يصل إليه غير صادق في محبته ، ومن كان صادقا في بدء إرادته ولم ينقص عقد بدايته بمتابعة نفسه والفترة عن طاعة يهديه الحق بنفسه إلى نفسه ، ويجعله مستقيما في طريق معرفته وطاعته ، والطريق المستقيم طرق أفعاله للعقول بنعت الفكرة ، وطرق صفاته للقلوب بنعت المحبة ، وطرق ذاته للأرواح بنعت المعرفة.

قيل : من يرد الله به الشر يتركه في سوء تدبيره ليبقى في ضلالته ، ومن يرد الله به الخير يجره إلى حسن اختياره ، فيبقى على أسلم الطرق ، وهو الرضا بمجاري القدرة ، وهو الصراط المستقيم.

وقوله تعالى : ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين* بل إياه تدعون )، ( غير الله ): الجاهلين ربوبيته عند امتحانهم ببلائه ، يرجعون إلى غيره من الخلق ؛ لطلب المعاونة بدفع البلاء عنهم ، أي : إن كنتم صادقين في دعوى معرفتي لم تتكلمون إلى غيري عند نزول البلاء؟ فإنكم تدعونني حين تدعون غيري ، فإن الدعاء لم يقع على غيري ؛ إذ فنيت الحوادث في سطوات عظمتي ، لكن لا تعلمون أنكم تدعونني حين تدعون غيري من جهلكم بفناء الحدث في القدم.

صفحه ۳۵۶