عرائس البيان في حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
سبحانه ألا يبلغ أحد إلى درجة الخلق الحسن وحسنات الأعمال وسيئات الأفعال إلا من يصبر في بلاء الله وامتحانه بالوسائط وغير الوسائط ، ولا يحتمل هذه البليات إلا ذو حظ من مشاهدته وذو نصيب من قربه ووصاله ، صاحب معرفة كاملة ومحبة شاملة ، وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله ، ثم الصبر في مشاهدة الأزل ، فبالصبر الاتصافي والمشاهدة الأبدية والحظ الجمالي يوازي طوارق صدمات الألوهية وغلبات القهارية.
قال بعضهم : لا يطيق أحد الهجوم على المعارف إلا من يصبر على احتمال النوائب والشدائد فيها ، ولا يرى لنفسه قيمة ، ولا لروحه خطرا ؛ إذ ذاك يمكنه مجاورة المعارف والهجوم عليها.
وقال ابن عطاء : لا يوفق لجميل الأخلاق إلا الصابرون على خفض الخلاف.
وقال الجنيد في قوله : ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ): ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ من عناية الحق فيه.
قال ابن عطاء : ذو معرفة بالله وأيامه.
وقال الجريري : أي : ذو علم بالله ، وذو فهم منه ، وراجع إليه في كل أحواله ، ثم داوى الحق سبحانه المتصبرين في احتمال البلاء ، وعليهم جذب الصبر والتحمل بالاستعانة بعد طيران خطرات الشيطان على قلوبهم بقوله : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ): علم حبيبه صلى الله عليه وسلم كيف يدفع شر الشيطان عن نفسه حين ألقاه سهم الغيرة عن كنانة مخائيله وحيله ، وهذا تعليم لأمته ؛ إذ كان شيطانه أسلم على يده أي : فروا إلى الله إذا نزغكم قهر الله يدفع عنكم شر الشيطان ، ويؤويكم من قهره بلطفه ، ألا ترى كيف استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه إليه بقوله : «أعوذ بك منك» (1).
وقال بعضهم : من طرد الشيطان عن نفسه بنفسه فهو قرينه أبدا ، ومن طرده بالالتجاء إلى الله والاستعاذة به منه لم يجعل الله للشيطان عليه سبيلا ؛ فإن الله يقول : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. )
وسئل أبو حفص : بماذا يتخلص المؤمن من الشيطان؟ قال : بتصحيح العبودية ؛ ألا ترى الله يقول : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )
وقال الأستاذ : لا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة بالله وصدق الاستغاثة فيه.
صفحه ۲۵۰