غير أن هذا التطور الطبيعي لم يحدث نظرا لوجود القضية الوطنية والمؤامرات الكثيرة لضرب الحركة الوطنية وتفتيتها، ليس فقط وحدة العمال والفلاحين من ناحية والإقطاع والرأسمالية من ناحية أخرى، ولكن تفتيت حتى الطبقة الإقطاعية والرأسمالية، فما بالك بأحزاب العمال والفلاحين؟
وكان أحد عناصر اللعبة إدخال حكاية الصراع الطبقي قبل الأوان، فلقد منع تماما قيام أحزاب للعمال، وطبعا تماما تماما للفلاحين. واستغلت الإقطاعية والرأسمالية المصرية التي كان من المفروض أن تكون على رأس الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، استقطبت وفتتت تارة باسم الهيئة السعدية وتارة الأحرار الدستوريين وتارة باسم حزب الشعب وتارة بدكتاتورية الإقطاع المتعاون تماما مع الإنجليز «محمد محمود وشركاه».
أدرك الإنجليز بذكائهم الاستعماري الخارق أن بقاءهم في مصر مرهون بضرب القوى الوطنية بعضها في بعض، ووضع الإسفين الأعظم بين ملك وطني في ذلك الحين وحزب الأغلبية الأكبر «الوفد»، ثم بين الوفد وبقية الأحزاب المتقلبة عليه، ثم بين الطبقات الشعبية، وصارت المسألة «عكة» استغرقت من مصر قرابة الثلاثين عاما من الصراع الرهيب «حول» السلطة، مع أنه كان من المفروض أن يتم خلال هذه الأعوام الثلاثين الصراع الرهيب «ضد» الاحتلال، وليس من أجل من يحكم ومن له الحق في الحكم.
وقامت ثورة 52.
ولأعتبر من عندي أن ثورة 52 بقضها وقضيضها وعلى بعضها حزب ثوري جديد أفرزته الطبقة المتوسطة لينهي هذا الصراع السخيف حول أحقية من يحكم من، ويقود الشعب كله «أحيانا رغم أنفه» ضد الاستعمار الرابض في قلب مصر من ناحية، والمؤامرات المحاكة دائما ضد مصر، وكان مفروضا في هذا الحزب الجديد أن يحول جهد المصريين من العراك إلى وحدة البنائين. فيبني الاقتصاد المصري ويدعمه تماما، وينتقل بالزراعة إلى القرن العشرين، وبواسطة ثورة ثقافية وحضارية شاملة لنقل المجتمع المصري الفلاحي والعمالي بالذات إلى الحد الأدنى اللازم لوجود الإنسان على سطح الأرض في هذا القرن.
ولكن الاستعمار الخبيث كان يرقب كل شيء ويعد لكل شيء عدته، فما كاد يرى هذا «الحزب» الجديد وقد بدا أنه قد وحد الأمة حول أهداف قليلة ولكنها خطيرة، وسيصنع بها لو تمت معجزات. ما كاد يرى هذا حتى أطلق سهمه المضاد وجر مصر إلى حرب مع إسرائيل، وإلى تشتيت لجهودها في الكونجو وقضية المغرب والجزائر ونيجيريا واليمن والوحدة ومهزلتها، أي أنه نجح في تحويل كم الطاقة الهائلة الرابض ينتظر الانفجار لينقل مصر من عصر إلى عصر، نجح في تحويل دفته إلى الخارج حتى لم يبق للحزب ليقف في الداخل إلا أقل القليل.
والثورات أيضا حظوظ، ولست أعرف لماذا كان من حظ ثورتنا أن يكون على رأسها قائد لا يؤمن بالتنظيمات الجماهيرية، فحتى حزب الثورة لم يتكون! في حين كانت هناك عشرات الفرص لخلق حزب ثوري جماهيري ديمقراطي اشتراكي عربي وحدوي يصبح أقوى أداة في يد الثورة المصرية، ليس فقط لتغيير مصر وإنما لتغيير العالم العربي ثم العربي الأفريقي الآسيوي من حولها.
حظنا كده.
حظنا أن حزب الثورة الحقيقي كان هو «دولة المخابرات»، فهم وحدهم الذين كانوا محل ثقة الثورة، وهم وحدهم الذين كان يختار من بينهم من يعهد إليهم بأخطر المهام، حتى من بينهم لا بد كان يختار معظم الوزراء والمحافظين ورؤساء مجالس الإدارات.
وهكذا تمخض هذا الحزب الذي جاء ليكنس أرض مصر من أحزاب أنهكها طول الصراع حول الحكم، وجاء ليقود الطبقة المتوسطة ومن حولها بقية الطبقات، تمخض هذا الحزب عن «شلة» تحكم مصر وتقرر شئون وتمنع مزاولة السياسة إلا على أفرادها ومن يثقون فيهم.
صفحه نامشخص