قال صفوان: «ما أدري ماذا عرض لي؛ فإن حديثك لم يسؤني ولم يؤذني، وإنما أخذت في الدعابة حين سمعتك تتحدث عن الآلهة، فما أسرع ما استحالت الدعابة إلى جد مر، فامض في حديثك وخلاك ذم.»
قال الرومي: «أقبلوا على شأنكم، وخذوا في لهوكم، أو تفرقوا إلى بيوتكم فقد تقدم الليل.»
وأحس القوم أن نفس الرومي مقسمة بين الغضب والخوف، فعادوا إلى الرفق به والتلطف له ، حتى ردوه إلى الأمن والهدوء، ثم مضوا يسألونه عن حديثه، ويلحون عليه في أن يتمه.
قال الرومي: «أتعرفون أني نصراني؟»
قال صفوان: «نعرف أنك نصراني كغيرك من الروم، لكنا لم نر منك قط إقبالا على الدين، ولا إمعانا في النسك.»
قال الرومي: «فاعلموا أني لست نصرانيا، أو اعلموا أني لم أخلص للنصرانية قط، وأني لم أقدم على بلدكم هذا النائي البعيد من بلاد الروم لأسقيكم الخمر وأسمعكم الغناء، وإنما أقبلت إليكم مهاجرا بهذه الوثنية التي كنت أخفيها في بلادي من أرض الروم، وأجد في إخفائها جهدا لا يحتمل، وعناء لا يطاق.» فلما سمع القوم من حديث الرومي عجبوا له، وشغفت نفوسهم بالقصة فأصغوا أشد الإصغاء.
قال الرومي: «إنكم لا تعرفون من أمرنا نحن الروم إلا أقله وأيسره. وإنكم لتجهلون وثنيتنا القديمة كما تجهلون نصرانيتنا الحديثة. ولو قد علمتم من أمرنا أكثر مما تعلمون لكان فهمكم عني أعمق وأصدق. إن وثنيتنا القديمة ليست من اليسر والسذاجة بحيث ترون ما أنتم عليه من دين؛ فإن لآلهتنا القدماء أخبارا طوالا، وأنباء غريبة، تكلف بها النفوس، وتألفها القلوب، وتصبو إليها الطباع. وقد كان آلهتنا القدماء أشد اختلاطا بنا، ومعاشرة لنا، واشتراكا معنا في جد الحياة وهزلها من آلهتكم. فلا جرم تمكن حبها في قلوبنا، واختلط بنفوسنا، وجرى مع دمائنا، وكانت حاجتنا إليهم كحاجتنا إلى الهواء الذي نتنفسه، وإلى الطعام الذي نقيم به أودنا، وإلى الشراب الذي ننقع به الغلة ونبل الصدى، وإلى المعرفة التي نغذو بها عقولنا، ونرقي بها قلوبنا، وننقي بها طباعنا من الأوضار والآثام. فلما جاء الدين الجديد، ضقنا به أشد الضيق، ونفرنا منه أشد النفور، وقاومناه أعنف المقاومة وأقساها، وضحينا في سبيل آلهتنا القدماء بكثير جدا من النفوس والدماء والأموال أكثر مما تستطيعون أن تتصوروا. ولكن الإله الجديد كان أقوى من آلهتنا وأعظم سلطانا؛ فلم تثبت له الآلهة، وإنما انهزمت أمامه وفرت من معابدها وهياكلها، وأذعن أكثرها لهذا الإله الجديد، ووفى أقلنا لأولئك الآلهة المشردين. وقد نشأت في أسرة من هذه الأسر التي توارثت الوفاء لأولئك الآلهة، والتي كانت تؤدي النصرانية لقيصر كما تؤدي له الضريبة التي يفرضها على الأموال، فإذا خلت إلى نفسها وفت لآلهتها، وأخلصت لها الدين محتاطة متحرجة، بالغة من التحرج والاحتياط أقصى ما كانت تستطيع أن تتحمل. ولكن قيصر قد اشتد في دينه. ولم يكتف من رعيته بالطاعة الظاهرة، وإنما أراد أن يخلص إلى دخائل النفوس وضمائر القلوب، وأن يحاسب الناس على آرائهم كما يحاسبهم على أعمالهم. فلقينا من ذلك جهدا أشد الجهد، وعنتا أعظم العنت، حتى تحول كثير منا عما كان يضمر من حب آلهتنا. وإنا لفي ذلك العناء وإذا أنا أسمع حديثا عن بلدكم هذا يغريني به ويدفعني إليه، ويخيل إلي أن آلهتنا قد هاجروا من بلاد الروم إلى العرب، فأقاموا فيها، وفرغوا لأهلها يبسطون عليهم من سلطانهم العذب ما كانوا يبسطونه على الروم.»
قال صفوان: «وما ذاك الحديث؟»
قال الرومي: «حديث ذلك الجيش النصراني الحبشي الذي أقبل على بلدكم هذا ليهدمه ويدمره، مقدما بين يديه فيله العظيم. فما كاد يدنو من حرمكم هذا حتى رد عنه أقبح الرد وأشنعه، وحتى سلطت عليه تلك الطير التي مزقته تمزيقا.»
قال صفوان: «فإن رب الحرم قد ذاد العدو عن الحرم، ما نجد في ذلك غرابة ولا عجبا.»
صفحه نامشخص