قال صاحب الحان: «فإني أخشى أشد الخشية ألا تملكوا لي من هذا الأمر الطارئ شيئا.»
قال صفوان: «إنك ضيفنا وجارنا وصديقنا، وصاحب لذتنا وشريكنا في هذه اللذة. فلسنا لقريش إذا إن بخلنا عليك بالمعونة، أو آثرنا أنفسنا بالأمن والراحة والنعيم من دونك. وإنك لتعرف من قريش قراها للضيف، ووفاءها للجار، وبرها بالصديق، وأداءها للحقوق.»
قال صاحب الحان: «فإن هذا الأمر الطارئ ليس مما تظنون في شيء، وإني لا أدري كيف أباديكم به وأتحدث إليكم فيه، ولو أن الذي عرض لي كان مما تعودتم أن تردوه عن الضيف والجار والصديق لما أبطأت في إنبائكم به وإظهاركم عليه. ولكنه لون آخر من الأمر لم تتعودوا أن تروه، وضرب آخر من الخطب لم تتعودوا أن تشهدوه. وما أدري أتفهمون عني إن تحدثت إليكم بما عرض لي! وما أدري أترضون إن فهمتم ما ألقي إليكم من الحديث أم تسخطون! فإنه أمر غريب حقا! غريب حقا!» ثم أطرق الرومي وترك هؤلاء الفتيان من شباب قريش وقد أخذهم شيء يسير من الوجوم بهذا الحديث الغريب، وجعلوا يتقارضون فيما بينهم ألحاظا قصارا سراعا. ثم رفع الرومي إليهم رأسه، فلما رآهم على هذه الحال ابتسم لهم رفيقا بهم، وقال في صوت هادئ بعيد: «ما أحب لكم أن تصرفوا عن أمر لذتكم إلى هذا الأمر الذي ما أراه يعنيكم من قريب أو بعيد، فعودوا إلى ما كنتم فيه موفورين. ولو استطعت لشاركتكم في اللهو، ولأعنتكم عليه، ولكن نفسي محزونة منذ الليلة حقا!»
قال صفوان: «فإنا لن نتحول عنك إلى لذتنا، ولن ننصرف عنك إلى بيوتنا حتى نعلم علمك، وحتى نرى أقادرون نحن على أن نعينك أم عاجزون عن أن نبلغ من ذلك بعض ما نريد. فاقصص علينا أمرك ولا تبطئ! فإنك قد شوقتنا إلى حديثك هذا الذي تخفيه فتمعن في إخفائه وتلتوي به علينا أشد الالتواء.»
قال الرومي: «إني لا أخفي عليكم شيئا، ولا ألتوي عليكم بشيء، ولكني أدير هذا الأمر في نفسي ولا أعرف كيف أباديكم به.»
قال صفوان وهو يتكلف الضحك: «فبادنا به كيف شئت وعلى أي وجه أحببت! فإني أخشى إن طال بك هذا الصمت وألح عليك هذا الالتواء أن نشق عن صدرك لنرى ما يضطرب فيه من عاطفة، ونشج رأسك لنظهر على ما تدير فيه من رأي وما تجيل فيه من حديث.»
قال الرومي وهو يبتسم: «ما أوفاكم إذا للجار، وأرعاكم إذا للصديق!»
قال صفوان: «فإنك مظهرنا على أمرك طائعا أو كارها! فقد طال منك الصمت، وطال منا الإلحاح، وقد تقدم الليل، وإنا خليقون أن نبقى حولك حتى يدركنا الصبح نسألك ونلح عليك؛ فأرح نفسك وأرحنا من السؤال والإلحاح.»
قال الرومي وهو يظهر ترددا شديدا، ويأخذ نفسه بالعنف لأنه يقدم على أمر عظيم: «فإن الأمر الذي أهمني لا يتصل بي وإنما يتصل بكم.»
قال صفوان: «فذلك أجدى أن تبادينا به وتظهرنا عليه!»
صفحه نامشخص