عجائب النباتات والحيوانات
عجائب النباتات والفواكه والحيوانات
فصل في
صفحه ۴
النبات والفواكه وخواصها إعلم وفقنا الله تعالى جميعا إلى التفكر في عجائب صنعته وغرائب قدرته أن عقول العقلاء وأفهام الأذكياء قاصرة متحيرة في أمر النباتات وعجائبها وخواصها وفوائدها ومضارها ومنافعها، وكيف لا وأنت تشاهد اختلاف أشكالها وتباين ألوانها وعجائب صورة أوراقها وروائح أزهارها. وكل لون من ألوانها ينقسم إلى أقسام، كالحمرة مثلا: وردي وأرجواني وسوسني وشقائقي، وخمري وعنابي وعقيقي، ودموي ولكي وغير ذلك، مع اشتراك الكل في الحمرة. ثم عجائب روائحها ومخالفة بعضها بعضا، واشتراك الكل في طيب الرائحة وعجائب أشكال ثمارها وحبوبها وأوراقها دليل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، ولكل لون وريح وطعم وورق وثمر وزهر وحب وخاصية لا تشبه الأخرى، ولا يعلم حقيقة الحكمة فيها إلا الله تعالى، والذي يعرفه الإنسان من ذلك بالنسبة إلى ما لا يعرفه كقطرة من بحر حكى المسعودي(1) أن آدم(2) عليه السلام لما أهبط من الجنة خرج ومعه ثلاثون قضيبا مودعة أصناف الثمار: منها عشرة لها قشر، وهي: الجوز واللوز والفستق والبندق والشاهبلوط والصنوبر والرمان والنارنج واللوز والخشخاش(3). ومنها عشرة لا قشر لها، ولثمارها نوى، وهي: الرطب والزيتون والمشمش والخوخ والإجاص والعناب والغبيراء(4) والدراقن(1) والزعرور(2) والنبق(3). ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى، وهي التفاح والكمثري والسفرجل والتين والعنب والأترج والخرنوب والبطيخ والقثاء والخيار.
صفحه ۷
النخل(1) : هو أول شجرة استقرت على وجه الأرض، وهي شجرة مباركة لا توجد في كل مكان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا عماتكم النخل"(1). وإنما سميت عمتنا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام، ولأنها تشبه الإنسان من حيث استقامة قدها وطولها وامتياز ذكرها من بين الاناث، واختصاصها باللقاح(2)، ورائحة طلعها كرائحة المني. ولطلعها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها. ولو قطع رأسها ماتت، ولو أصاب جمارها آفة هلكت. والجمار(3) من النخلة كالمخ من الإنسان، وعليها الليف كشعر الإنسان، وإذا تقاربت ذكورها وإناثها حملت حملا كثيرا لأنها تستأنس بالمجاورة. وإذا كانت ذكورها بين إناثها ألقحتها بالريح، وربما قطع إلفها من الذكور فلا تحمل، لفراقه ، وإذا دام شربها للماء العذب تغيرت، وإذا سقيت الماء المالح أو طرح الملح في أصولها حسن ثمرها. ويعرض لها أمراض مثل أمراض الإنسان.منها الغم، وعلاجه أن يقطع من أسفلها قدر ذراعين ثم تخلل بالحديد. والعشق: وهو أن تميل شجرة إلى أخرى ويخف حملها وتهزل، وعلاجها أن يشد بينها وبين معشوقها الذي مالت إليه بحبل أو يعلق عليها سعفة منه، أو يجعل فيها من طلعه.
ومن أمراضها منع الحمل، وعلاجه أن تأخذ فأسا وتدنو منها وتقول لرجل معك: أنا أريد أن أقطع هذه النخلة لأنها منعت الحمل، فيقول ذلك الرجل: لا تفعل فإنها تحمل في هذه السنة، فتقول: لا بد من قطعها. وتضربها ثلاث ضربات بظهر الفأس، فيمسكها الآخر ويقول: بالله لا تفعل فإنها تثمر في هذه السنة فاصبر عليها ولا تعجل وإن لم تثمر فاقطعها. فتثمر في تلك السنة وتحمل حملا طائلا.
صفحه ۱۰
ومن أمراضها: سقوط الثمرة بعد الحمل وعلاجه أن يتخذ لها منطقة من الأسرب فتطوق به فلا تسقط بعدها، أو يتخذ لها أوتادا من خشب البلوط ويدفنها حولها في الأرض. ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت نوى تمر من نخلة واحدة وزرعت منها ألف نخلة، جاءت كل نخلة منها لا تشبه الأخرى. قال صاحب كتاب الفلاحة(1): إذا نقعت النوى في بول البغل وزرعت منها ما زرعت جاءت نخله كلها ذكورا، وإن نقعت النوى في الماء ثمانية أيام وزرعته جاء بسره كله محمرا؛ وإن نقعت النوى في بول البقر أياما وجففته ثلاث مرات وزرعته جاءت كل نخلة تحمل حملا قدر نخلتين، وإذا أخذت نوى البسر الأحمر وحشوته في ثمر الأصفر وزرعته جاء بسره أصفر، وكذلك بالعكس، وكذلك فلاحة النوى المتطاول والنوى المدور.
وكيفية غرسه أن تجعل طرف النوى الغليظ مما يلي الأرض وموضع النقير إلى جهة القبلة.
وحكي أن بعض الرؤساء أهدي له عذق واحد فيه بسرة حمراء وبسرة صفراء. وحكي أن قرية بنهر معقل كانت نخلها تخرج الطلع(2) في السنة مرتين. وحكي أن بالسكن من أعمال بغداد نخلة تخرج كل شهر طلعة واحدة على ممر السنين. وكان في بستان(3) ابن الخشاب بمصر نخلة تحمل أعذاقها، في كل عذق بسرة، نصفها أحمر ونصفها أصفر، والأعلى أحمر، والأسفل أصفر؛ والعذق الآخر بالعكس: الفوقاني أصفر والتحتاني أحمر.
صفحه ۱۱
وعن بعض ملوك الروم أنه كتب إلى عمر بن الخطاب(1) رضي الله عنه: قد بلغني أن ببلدك شجرة تخرج ثمرة كأنها آذان الحمر، ثم تنشق عن أحسن من اللؤلؤ المنظوم، ثم تخضر فتكون كالزمرد، ثم تحمر وتصفر فتكون كشذور الذهب. وقطع الياقوت، ثم تينع فتكون كطيب الفالوزج، ثم تيبس فتكون قوتا وتدخر مؤونة، فلله درها شجرة وإن صدق الخبر فهذه من شجر الجنة. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: صدقت رسلك، وإنها الشجرة التي ولد تحتها المسيح وقال: إني عبد الله فلا تدع مع الله إلها آخر .
صفحه ۱۲
ووصف خالد بن صفوان(1) النخل فقال: هي الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، المعينات كشهد النحل، تخرج أسفاطا(2) غلاظا وأوساطا كأنها ملئت حللا ورياطا(3)، ثم تنشق عن قضبان لجين(4) وعسجد(5) كالشذر المنضد، ثم تصير ذهبا أحمر بعد أن كانت في لون الزبرجد. ومن خواص النخلة أن مضغ خوصها يقطع رائحة الثوم وكذلك رائحة الخمر. شعر:
كأن النخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرها حسنا قباب زبرجد
صفحه ۱۳
وقد علقت من قلبها زينة لها ... قناديل ياقوت بأمراس عسجد النارجيل(1): وهو الجوز الهندي، زعم أهل اليمن(2) والحجاز(1) أن شجر النارجيل هو شجر المقل، لكنها أثمرت نارجيلا لطيب قاع التربة والأهوية. وأجوده الطري ثم جديد عامه الأبيض. وهو حار يابس يزيد في الباه وقوة الجماع وينفع من تقطير البول، ودهن العتيق منه ينفع البواسير والريح ويقتل الدود شربا، ولبن الطري منه كثير الحلاوة، وليفه يتخذ منه حبال للسفن.
صفحه ۱۵
الإجاص(1) والقراصيا(2): هما أخوان كالمشمش والخوخ الزهري، والإجاص نوعان: أحدهما يستعمل في الأدوية وأصغر منه، وهو الذي يقال له الخوخ التلباشري، وهو أحلى من الأول. والقراصيا أيضا نوعان. أحدهما البرقوق وهو حلو أغبر والآخر أسود حامض. قال صاحب كتاب الفلاحة: من أراد أن يكون بلا نوى فليشق أسافل قضبانها شقا متوسطا وقمت غرسهما، وليخرج من أجوافهما مخهما، وهو صوفة وسط القضيب، إخراجا بلطف ويضم بعضها إلى بعض ويربطهما بشيء من الحشيش أو البردي(1) ، ويغرسهما مع بصل العنصل فإنهما يثمران ثمرا بلا نوى. وكذلك يفعل بالرمان فيخرج حبه بلا نوى.
صفحه ۱۷
العناب(1): منه بري ومنه بستاني. وهو كثير الحمل، ولشجره شوك. ومتى أحرق في أصله شيء من شجر الجوز حمل حملا كثيرا، وكذلك إن أحرق في أصل الجوز شجر العناب. وهو معتدل بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ينفع من حدة الدم لتغليظه له، وينفع الصدر والرئة ويحبس الدم. والماء المطبوخ فيه العناب نافع، فإنه يبرد ويرطب ويسكن الحدة واللذعة والذي في المعدة والأمعاء والسعال عن حرارة، ويلين خشونة الصدر والحنجرة إلا أنه يولد بلغما، وهو عسر الهضم قليل الغذاء.
صفحه ۱۸
الزيتون(1): نوعان: منه بستاني وبري، والبري هو الأسود، وشجرته مباركة لا تنبت إلا في البقاع الشريفة الطاهرة المباركة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن آدم وجد ضربانا في جسمه ولم يعهده؛ فشكا إلى الله عز وجل فنزل عليه جبريل بشجرة الزيتون فأمره أن يغرسها ويأخذ من ثمرها ويعصره ويستخرج دهنه، وقال له: إن في دهنه شفاء من كل داء إلا السام(2)؛ ويقال إنها تعمر ثلاثة آلاف سنة.
صفحه ۱۹