بعد دقائق ظهر الكولونيل جارسيا خارجا من باب القصر، وعلى مسافة خلفه يسير كارلوس وزوجته التي ارتسمت على وجهها لوعة الفراق، أما كارلوس فبدا متجهم الوجه متوترا على غير ما اعتاد في مثل هذه الاحتفاليات، يتلفت حوله بين لحظة وأخرى، وينتبه لكل حركة أو صوت، ويتوقف لثوان ثم يواصل سيره.
تقدم جارسيا بضع خطوات ثم توقف يتأمل المكان ومن فيه، فاستقرت كل العيون عليه، رجل قارب على السبعين من عمره، طويل القامة أميل إلى السمنة، أحمر الوجه عريض الشارب، يرتدي معطفا رماديا وحذاء طويل الرقبة، وعلى رأسه قبعة سوداء يعدل موضعها من حين لآخر، يخطو مختالا في مشية عسكرية صارمة، ويجاهد لإخفاء عرج خفيف في ساقه اليسرى.
نفث الكولونيل دخان غليونه، وسار وئيدا بين الصفين وأنفه الروماني يناطح السحاب. تعمد الجميع، كما في كل المناسبات السابقة، أن يسمعوه كلمات الدعاء وأمنيات العودة السالمة الغانمة، واندفع قليلون يقبلون يده وحذاءه، فتركهم يفعلون دون أن تبدر منه أي التفاتة نحوهم. أما كارلوس فكان يتفحص وجوه كل من اقترب من الكولونيل ثم يبعدهم، بغير خشونة هذه المرة!
تحرك السائق ليفتح للسيد باب السيارة، وفجأة، ومن خلف الصف الأيسر ارتفع صوت ينادي جارسيا دون ألقاب، توقف الكولونيل مندهشا وتلفت حوله، وتحولت كل الأنظار نحو رجل أسود البشرة يخترق الصف شاهرا مسدسه، ثم اندفع نحو الكولونيل وأطلق عليه بضع رصاصات. وقعت المفاجأة على الرءوس كالصاعقة فلم يسمع لأحد صوت، ولم يتحرك أحد من مكانه إلا بعد أن ولى الفاعل الأدبار، صرخ البعض: كوفي، كوفي، إنه كوفي.
حالف الحظ الكولونيل جارسيا فكان ضابطا في الجيش المنتصر، ولأن النياشين والأنواط العسكرية لا تكفي في كثير من الأحيان، فقد قبض الكولونيل ثمن اشتراكه في الحرب نقدا، عندما استغل نفوذه كقائد لحامية في إحدى المستعمرات واشترى مساحة أرض شاسعة لقاء مبلغ زهيد. أرسل له زملاء السلاح في مستعمرات أخرى أفواجا من الأفارقة اشتراهم بثمن قليل ليستصلحوا الأرض ويزرعونها. ولأنه اعتاد أن يأمر فيطاع، فقد استعان الكولونيل بعدد من الجنود المرتزقة من أصحاب البشرة البيضاء، ليكرهوا السود على العمل تحت ضربات السياط.
ولأن الجنود في الحقول لا عمل لهم، فقد انشغلوا بارتكاب كل الفظائع، وتباروا في التنكيل بالعبيد، يشحذون عقولهم في ابتكار وسائل جهنمية لتعذيبهم وسحق إرادتهم، ويمنون نفوسهم المريضة بالمزيد من صرخات الألم ونزيف الدماء، ونظرات التذلل في أعين من لا حول لهم ولا معين.
حصد الكولونيل سريعا ما زرعه العبيد، فعزم على الاستمرار في مشروعه المربح، لكن المرتزقة البيض كانوا العقبة الكبرى؛ فقد بالغوا في ابتزازه حتى أوشكوا أن يستولوا على كل ما تربحه المزرعة، لقاء ما يقومون به من أعمال قذرة، وربما طمعوا في أن يشاركوه ملكية المزرعة، وكان لا بد من التخلص منهم. كان جارسيا كغيره من النخاسين يخشى تمرد العبيد إن غاب من يردعهم، ولكي يستقر له الأمر قرر أن يستبدل استغلاله الخشن لجهد العبيد باحتيال أقل خشونة، يمكن تحمله ويوفر له كثيرا من النفقات. استغنى جارسيا عن العمالة البيضاء المكلفة، وأنفق فقط نصف ما كان يدفعه للجنود لتحسين ظروف حياة العبيد، فمنحهم كمية أكبر من الطعام الرديء، وبنى لهم حظائر لتأويهم، وأشترى لهم إناثا ليتزوجوا وينجبوا، ليستهلكوا ما تبقى لهم من قوة، ويوردون في الوقت ذاته مزيدا من الأيدي العاملة. وانتقى الكولونيل من عبيده أقواهم بنية وأكثرهم جلدا وجعلهم حراسا على مداخل المزرعة ومخازنها، واستعان بهم لتأديب الخارجين على النظام.
رأى الكولونيل أن استعباد الروح يجعل العبيد أكثر صبرا على تحمل أوجاع الجسد، فصنع من نفسه كاهنا يفعل كل ما يفعله سياسي مستبد، يعلم الناس كيف يكونون عبيدا صالحين، ينتقي من الدين كل حقوق السيد، ويتنكر لكل حقوق الرعية. وقد مكنه جهل العبيد بدينهم الجديد من أن يعبث بتعاليمه كيفما شاء، حتى إنه أوهمهم في بعض المواضع في الكتاب المقدس أن لفظة «السيد» في بعض المواضع تشير إلى أمثاله من مالكي العبيد ولا تشير إلى الرب، وأنهم لن ينالوا الغفران حتى يرضى الكولونيل عنهم. وقد قبله العبيد كاهنا كرها وطوعا؛ فهو في أسوأ الأحوال يجعل من مذلتهم واستكانتهم مظهرا لطاعة أوامر السماء، وثمنا يتحتم عليهم دفعه لقاء جنتهم الموعودة بعد الموت.
في سلام تام مع النفس أذاق جارسيا عبيده كل صنوف العذاب، من استكان منهم، قبل من ظهرت على وجهه علامات الضيق، كان لا يرضى منهم بغير الإذعان الكامل لمشيئته.
لم يتزوج الكولونيل، واستحل من اشتهى من نساء المزرعة وفتياتها، فهو حر في أن يفعل ما يشاء بمن يملكه. وكانت الجميلة إيلينا زوجة كارلوس هي مطيته المفضلة التي يعتليها وقتما رغب، بالطبع في غياب زوجها الذي كان نادرا ما يدخل القصر قبل منتصف الليل. وفي تبجح يلائم طبعه وقناعاته، كان جارسيا لا يجد حرجا في أن يطلب من إيلينا أن تنتقي له من نساء المزرعة من تراها توفي بالغرض، ويبدو أنها وهي البيضاء الجميلة لم تتملكها روح الغيرة على سيدها ومعشوقها، ولا تمانع في أن يستعمل إحدى جواريه في بعض الأحيان. وسار الأمر على هذا النحو إلى أن أحضرت بين يديه نانا.
صفحه نامشخص