غادر حسنين القطار، لم يحس بالراحة التي كان يستشعرها كل يوم لحظة وصوله إلى محطته، لم يصبح سعيدا كما ظن، كان مشوش التفكير قلقا يتلفت حوله دائما كلص مبتدئ. تساءل: هل هو سارق بالفعل؟ أهو لص كبقية اللصوص الذين يترافع عنهم؟ ربما كان المال الذي استولى عليه سينفق لإيذاء المسلمين، ربما أتى من حرام وما أتى من حرام فالنار أولى به. ابتسم، أدرك أنه يغالط: «النار أولى به، لا حسنين الفوال.»
أرغم الفوال على الوقوف في نهاية الطابور، تساءل، إجراءات تفتيش، إنهم يبحثون عن إرهابي. ارتعد خوفا، سيفتشون كل الحقائب، وبالتأكيد سوف يتساءلون عن مصدر هذه الأموال. فكر قليلا «حسنا إنها أموالي أنا وسوف أتمسك بها، ثمن الأرض التي ورثتها عن جدي، ما هم فيه الآن سوف يلهيهم عن تحري الأمر.»
فتح الجندي الحقيبة فرفع عينيه إلى الضابط، تقدم الضابط فأخذ رزمة من النقد وفحصها، ابتسم ابتسامة سوداء. - هل تصنعون فيلما سينمائيا أم أنك نصاب؟ - أنا محام يا حضرة الضابط. - وما معنى أن تضع ورقة مالية حقيقية فوق رزمة من الأوراق البيضاء يا محامي؟
فغر فاه، ونظر إلى الحقيبة لا يكاد يصدق. الحقيبة المكتظة بأوراق النقد جذبت الأنظار، وتجمهر الناس.
صرخ الجندي الذي يحمل الحقيبة: يا أفندم، يوجد أسفل النقود ...
ودوى انفجار كبير.
في صباح اليوم التالي، عرضت نشرات الأخبار صورا للإرهابي حسنين محمد صبحي الفوال، المسئول عن الانفجار الذي وقع بمحطة السكك الحديدية، وأذيع أن منظمة درع الإسلام قد أعلنت مسئوليتها عن الحادث. وذكر بيان الداخلية أن الأمن قد تمكن من تحديد هوية الإرهابي من بقايا أوراقه الخاصة التي عثر عليها في موقع الانفجار. (تمت)
الدعوة عامة
لن تعود زوجتي من سفرها قبل الرابعة عصرا، وأمامي بضع ساعات أطلق فيها روحي من محبسها؛ فهذه هي المرة الأولى منذ زمن طويل التي يحق لي فيها أن أخلع على نفسي لقب المصطاف. في مثل هذا الوقت تقريبا من كل عام، اعتدت وأسرتي أن نشد الرحال إلى رأس البر، وما إن تطأ أقدامنا أرض المصيف حتى تتهاوى كل آمالي في قضاء إجازة ممتعة؛ فعلى الفور يتخذ الجميع قرارهم بتعييني في وظيفة عبد بلا أجر، رغم أنني الوحيد الذي يتكفل بكل النفقات، وأظل أنوء بأعباء تلك الوظيفة التعيسة حتى ونحن على الشاطئ.
كانت الظهيرة حارة، والنهار في أوج ضيائه، والهواء يعبق برائحة البحر. ولأنني وأمثالي ممن أبلى الشقاء أجسادهم، وانسحقت أرواحنا تحت ضغوط الواجب والمقبول والصحيح، لم نكن ننتمي لهذا المكان أو لهذا الحشد؛ فقد انزويت تحت المظلة أتصنع الوقار والحكمة مكتفيا باستطلاع ما حولي؛ بائع يلح في عرض بضاعته على المصطافين، طفل يشكل أحلامه من الرمال الرطبة، أنثى تختال في مشيتها وتحصي بطرفي عينيها عدد العيون التي تلاحقها، لهو فظ صاخب لجمهرة من الشبان تفور قلوبهم النضرة بالجرأة والطيش والإقبال على الحياة، يسعون إلى لفت أنظار الفتيات. وهي، نفس المرأة التي كانت تجلس إلى جوار مظلتنا بالأمس، ما زالت تطيل النظر إلي وكأنها تؤكد أنها حقا تعنيني أنا.
صفحه نامشخص