عد تنازلي: تاریخ رحلات الفضاء
عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء
ژانرها
اعترض المسئولون في وكالة ناسا بشدة، وفي سبتمبر التقى يورك درايدن. بادر يورك باقتراح تولي ناسا برنامج «ساتورن»، والاستعانة في ذلك بخبرات جميع أفراد فريق فون براون لتطوير الصواريخ. لاقت هذه الفكرة تأييدا واسع النطاق، إلا أن شخصين مهمين اعترضا عليها، ألا وهما سكرتير الجيش ويلبر بروكر وفيرنر فون براون. كان بروكر قد ناضل بنجاح لإبقاء هانتسفيل في حوزة الجيش، وشعر بغضب هائل لإثارة الموضوع مجددا. كان وزير الدفاع ماكلروي أعلى منه رتبة، وكان قد أيد نقل المشروع. تساءل فون براون إذا كانت ناسا تستطيع دعمه على النحو الذي كان يأمل أن يعهده فيها؛ فالتقى جلينان فون براون وأزال عنه مخاوفه. وفي نوفمبر، وافق آيزنهاور على الترتيبات الجديدة للمشروع.
احتفظت شركة «ردستون آرسنال» بدورها النشط في مجال الصواريخ الحربية، بيد أن كل برامج فون براون اتخذت غطاء مدنيا لتصبح بذلك جزءا من مركز مارشال لرحلات الفضاء التابع لناسا. صار فون براون نفسه يقدم تقارير إلى مسئولين مدنيين للمرة الأولى منذ الانضمام إلى رايخسفير في عام 1932. كانت ناسا منشغلة بالفعل ببرنامج الفضاء التابع لسلاح البحرية، الذي كان متمحورا حول «فانجارد»؛ إذ كانت القوات الجوية هي المنوطة بإدارة المشروع الفضائي العسكري المستقل الوحيد، إلى جانب الجهود المدنية في وكالة ناسا. كانت القوات الجوية بدورها تدير أنشطة الفضاء الخاصة بها دون الرجوع إلى هيئة المشروعات البحثية المتطورة كمؤسسة وسيطة؛ ومن ثم تضاءلت مع الوقت أهمية هيئة المشروعات البحثية المتطورة. أدى قرار آيك إلى سد الثغرة في قرار وزير الدفاع ويلسون حول الأدوار والمهام، الذي كان قد أصدره قبل ثلاثة أعوام، بمنع الجيش من ممارسة أي أنشطة تتعلق بالفضاء مثلما منع ويلسون الجيش من تنفيذ مشروعات تطوير للصواريخ الطويلة المدى . في ضوء هذه التطورات، تبلورت مؤسسات الفضاء في أمريكا في صورتها الدائمة.
كان فون براون قد ركز على «ساتورن» بوصفه صاروخ المرحلة الأولى، وترك موضوع المراحل العليا معلقا. عالج سيلفرستين هذا الأمر على الفور ؛ حيث شكل لجنة تقدم توصيات رسمية إلى جلينان. كانت خبرة سيلفرستين في اللجنة الاستشارية الوطنية للملاحة الفضائية ومركز لويس، قد جعلته مؤيدا قويا لاستخدام الهيدروجين كوقود. كان سيلفرستين قد ساند جهود جون سلوب، وأدرك بنفسه أن محركات سلوب واعدة ومبشرة. استهوت وجهة نظر سيلفرستين فون براون المتشكك، الذي لم يكن لديه أي خبرة عن وقود الهيدروجين، وفي منتصف ديسمبر كتب تقريرا يشير إلى ضرورة استخدام الهيدروجين في المراحل العليا من الصاروخ «ساتورن»، ومن ثم تحقيق أعلى أداء.
تسارع إيقاع العمل مجددا خلال عام 1960. كان ثمة نموذج أولي من الصاروخ «ساتورن» منصوب بالفعل فوق إحدى منصات الاختبار في هانتسفيل، وفي أبريل جرى إشعال جميع المحركات الثمانية، وهو ما أسفر عن قوة دفع بلغت 1,3 مليون رطل، وصوت هدير كان يمكن سماعه على مسافة مائة ميل. وبالطبع، كانت الصحراء غير الآهلة بالسكان هي المكان الوحيد المناسب لإجراء تلك الاختبارات ذات القوة الهائلة، وبالفعل عثرت شركة «روكيت داين» على المساحات الشاسعة التي كانت تحتاج إليها في قاعدة إدواردز التابعة للقوات الجوية، في صحراء موهافي. أقامت شركة «روكيت داين» منصة اختبار لصواريخ «إف-1» ذات أبعاد هائلة على غرار المسلات الفرعونية، بارتفاع 250 قدما، وألواح صلبة من الخرسانة لدعم عاكس اللهب.
بالإضافة إلى ذلك، تابعت ناسا تقرير سيلفرستين بإرساء مجموعة من العقود على عدة شركات لإنجاز صواريخ المراحل العليا من الصاروخ «ساتورن». في مايو، قرر جلينان أن تتولى شركة «دوجلاس إيركرافت» بناء صاروخ المرحلة الثانية، الذي أطلق عليه اسم «إس-4». طبق هذا الصاروخ في تصميمه مبدأ الصواريخ العنقودية؛ حيث وضعت فيه ستة محركات طراز «سينتاور» بقوة دفع إجمالية بلغت 90 ألف رطل، ومع ذلك لم يكن هذا إلا تصميما مؤقتا فقط؛ إذ كانت لجنة سيلفرستين قد أوصت أيضا بتصميم محرك جديد تماما يستخدم الهيدروجين كوقود، ويتسم بقوة دفع مرتفعة للغاية. أرسي عقد تصميم هذا الصاروخ الجديد على شركة «روكيت داين» في يونيو، حيث وضع «حدود الأمان القصوى للرحلات الفضائية المأهولة». أظهر هذا المحرك، «جيه-2»، مبلغ طموح ناسا مجددا ، ولأن هذا المحرك قد صمم للاستخدام في صاروخ المرحلة الثانية للصاروخ «ساتورن»، كان من المقرر أن يوفر قوة دفع تصل إلى 200 ألف رطل، وهو ما كان يزيد على قوة دفع محرك الصاروخ «ثور» أو «جوبيتر».
شهد العام نفسه أيضا نشاطا هائلا بين الشركات المتعاقدة المحتملة، التي كانت بصدد دراسة تصميمات لمركبات فضائية مأهولة تطلق في بعثات إلى القمر. كان الاهتمام المبدئي ينصب على إرسال ثلاثة رواد فضاء يدورون حول القمر، وهو أحد المتطلبات التي كان الصاروخ «ساتورن» يستطيع القيام بها، ولم يكن يتطلب الاستعانة بالصاروخ «نوفا» الأكبر حجما بكثير. في أواخر شهر يوليو، اجتمع نحو ألف وثلاثمائة شخص في جلسة تخطيطية حول مشروع ناسا. كان سيلفرستين، الذي كان قد اقترح اسم «ميركوري» لأول برنامج فضائي مأهول، لديه مقترح فيما يخص المركبة الجديدة. في بداية المؤتمر، أعلن درايدن أن: «المركبة الفضائية التالية لمركبة «ميركوري» سيكون اسمها أبولو.»
كان آيزنهاور قد صدق على الصاروخ «ساتورن». وفي حقيقة الأمر، كان آيزنهاور قد أمر بأن يحظى الصاروخ بأولوية عليا؛ حيث أصدر تعليماته إلى جلينان «بالإسراع من إيقاع برنامج صواريخ التعزيز الفائقة». لكن، بينما كان جلينان يستعد لطرح موضوع «أبولو»، أطلت مسألة التكلفة برأسها. طلب آيك من مستشاره العلمي، جورج كستياكوفسكي، أن يعد دراسة «تحدد الأهداف، والبعثات، والتكاليف» في برنامج ناسا الفضائي المأهول المقترح. عملت لجنة كستياكوفسكي عن كثب مع مسئولي ناسا وبحثا مشروعين، ألا وهما إرسال رواد فضاء حول القمر بحلول عام 1970، وإجراء عملية هبوط مأهولة على سطح القمر في عام 1975. كانت التكلفة التي تمخضت عنها الدراسة باهظة للغاية بالمقارنة مع تكلفة برنامج «ميركوري»:
مشروع «ميركوري» (الصاروخ أطلس التعزيزي): 350 مليون دولار أمريكي.
مشروع المركبة المدارية القمرية (الصاروخ ساتورن): 8 مليارات دولار أمريكي.
بعثة الهبوط على سطح القمر (الصاروخ نوفا): 26-38 مليار دولار أمريكي زيادة على التكاليف السابقة.
صفحه نامشخص