والوادي هنا قد افترق في مجراه شعبة بعد شعبة منذ عهد قريب وإن لم ينته بعد إلى غاية المفترق في الأرض البراح.
افترق الوادي قليلا حين انقسم بيت المغيرة بين معسكر الجاهلية ومعسكر الإسلام، وأصبح في معسكر الإسلام أخوان حبيبان إلى خالد، وهما الوليد وهشام.
وافترق قليلا يوم أصغى أبوه إلى القرآن، فحدث آل بيته عنه ذلك الحديث الذي أرابهم وأشجاهم، فحسبوه قد صبأ عن دينه وسألوه عن نبأ محمد فأوشك أن يقع في قلبه أنه وحي السماء لو لم ينطق لسانه بأنه السحر الذي يفرق بين الرجل وزوجه والولد وبنيه والسيد ومولاه.
وافترق قليلا يوم شهد خالد سكينة المسلمين في طريق الحديبية وهم قائمون للصلاة، وهجس في خاطره أن يغير عليهم فصدته عنهم رهبة الصلاة ونخوة الفارس المحجم عن الغدر والغيلة، وسرى في روعه أن لمحمد لسرا وأن الرجل لممنوع.
وكان لتلك الحركة الجياشة مدد من تحريك الكتائب وتجريد الطلائع وإقامة الأرصاد والتقاء الجموع واتفاق الكلمة بين المشركين على الحرب والعداء، فإذا هم يتبلبلون مختلفين بعد صلح الحديبية، وإذا بصلح الحديبية يلقي السلاح من الأيدي سنين طوالا لا لقاء فيها ولا نزال، ولا سورة من غضب ولا جذوة من غيظ مثار.
ومات الشيوخ الذين كانوا يخيمون بوقارهم وجمودهم على العقول، وتهيأ الجو للسؤال: فيم هذا العداء والنضال؟ أمن أجل الكعبة ومحمد يرعاها ويحترم جوارها ويحج إليها؟ أم من أجل العصبية القومية وشرف محمد شرف العرب أجمعين؟ أم من أجل الكرامة ومحمد يصون للعزيز كرامته ويعرف للحسيب قدره؟
ومن أين لمحمد ذلك النصر المبين بعد النصر المبين؟
ومن له تلك المهابة التي ترد عنه الأعين والأيدي من قريب؟
ومن أين له ذلك العون الذي يدركه وقد أحاطت به الهزيمة من كل فج، فإذا هو ناصل منها وإذا هو الطارد الظافر وقد خيل إليهم أنه الطريد المخذول؟
ومن أين للمسلمين ذلك الأدب وذلك الخشوع؟ ومن أين للنبي بينهم ذلك السلطان الصادع والصوت المسموع؟
صفحه نامشخص