فقال الرشيد: «أخبري مسرورا بذلك.»
فدلته زبيدة على مخبئهما، ومضى الرشيد إلى قصره وجلس ينتظر مجيئهما.
وكان الغلامان قد خبأهما الفضل بن الربيع على يد أبي العتاهية في بيت على شاطئ دجلة، وأوقف عليهما الحراس، فذهب مسرور إليهما وحملهما إلى قصر الخلد بعد أن قتل رياشا وبرة؛ الخادمين القائمين على تربيتهما.
ولما جاء مسرور بالغلامين أدخلهما على الرشيد، وكان جالسا على وسادة وحده.
فدخل الغلامان وهم يدرجان ويضحكان، ووجهاهما يطفحان سرورا وسذاجة وطهارة، يحسبان أن مسرورا جاء بهما إلى فرجة أو وليمة، فلما رأى الرشيد جمالهما انقبضت نفسه أسفا على ما سينالهما من الأذى؛ لعلمه بأنهما بريئان طاهران، ولكنه كان قد صمم على محو أثر تلك الخيانة من الوجود، فتجلد ودعاهما إليه، فأسرعا وتراميا عليه وهما يلتفتان لمشاهدة ما في تلك القاعة من الرياش الفاخر، والألوان الزاهية.
فسأل الرشيد أكبرهما: «ما اسمك يا قرة عيني؟»
قال: «الحسن.»
فقال الرشيد للصغير: «وما اسمك يا حبيبي؟»
قال: «الحسين.»
فأعجب الرشيد بمنطقهما؛ لأن لغتهما وفصاحتهما هاشمية، ثم أعمل فكرته فيما هو عازم عليه من الأمر الخطير، وهو والد يحب أولاده، ولو لم يكن والدا لكان الإقدام على ذلك العمل أسهل عليه؛ لأن الحنان لا ينضج ويبلغ أشده إلا في قلوب الوالدين، والوالد لا يقصر حنانه على أولاده، بل هو يتعود ذلك حتى يحن على كل ولد. وزد على ذلك أن في الغلامين دما هاشميا، والقرابة من أسباب العطف، فعظم الأمر على الرشيد، ولبث حينا يفكر والغلامان يلاعبانه، ويعبثان بلحيته وطوقه، حتى كاد الحنان يغلب عليه، فتذكر ما هو فيه، وخشي غلبة الضعف، فعاد إلى الحزم وسرعة الفتك لئلا يحول بينه وبين ذلك شفيع، فعمد إلى قتلهما، على ألا يرى ذلك بعينيه، ولا يسمعه بأذنيه، فتصادمت عواطفه، وجاشت أشجانه، فغلب عليه البكاء وأغرق فيه حتى منعه من الكلام، والغلامان يتعجبان لبكائه. أما هو فنظر إليهما والدمع يترقرق في عينيه وقال: «يعز علي حسنكما وجمالكما. لا رحم الله من ظلمكما.» ثم قال: «يا مسرور، أين المفتاح الذي دفعته إليك، وأمرتك بحفظه؟»
صفحه نامشخص