العبرات
العبرات
ناشر
دار الهدى الوطنية للطباعة والنشر والتوزيع
محل انتشار
بيروت - لبنان
ژانرها
•Subtleties and Anecdotes
مناطق
مصر
كَنَف ذَلِكَ اَلشَّيْخ اَلْكَرِيم اَلَّذِي أَحْسَنَ إِلَيَّ إِحْسَانًا كَبِيرًا فَطَرَدَنِي مِنْ بَيْن يَدَيْهِ عِقَابًا لِي عَلَى خِيَانَة عَهْده وَكَفْر نِعْمَته فَلَا أَجِد لِي بُدًّا مِنْ اَلرُّجُوع إِلَى حَيَاتِي اَلْأُولَى حَيَاة اَلشُّرُور وَالْآثَام وَالْهُمُوم وَالْآلَام اَلَّتِي أَبْغَضْتهَا بُغْض اَلْأَرْض لِلدَّمِ وَهُنَالِكَ اَلْعَذَاب اَلدَّائِم وَالشَّقَاء وَالطَّوِيل.
أَنِّي أَعْلَم يَا أَرْمَان أَنَّك تُحِبّنِي حُبًّا جَمًّا وَأَنَّك سَتُكَابِدُ فِي اِبْتِعَادك عَنِّي عَذَابًا كَثِيرًا وَلَكِنِّي أَعْلَم أَنَّ قَلْبًا طَرِيفًا يَحْتَمِل اَلْعَذَاب فِي سَبِيل اَلرَّحْمَة فَاحْتَمَلَ هَذَا اَلْعَذَاب مِنْ أَجْلِي فَإِنَّك أَقْدَر مِنِّي عَلَى اِحْتِمَال اَلْآلَام وَالْأَوْجَاع وَسَأُعَوِّدُ اَللَّه تَعَالَى لَيْلِي وَنَهَارِي أَنْ يَمْنَحنِي اَلصَّبْر عَنْك وَيَرْزُقنِي رَاحَة اَلنَّفْس وَسُكُونهَا مِنْ بَعْدك وَأَنْ يَمْنَحك مِنْ ذَلِكَ مِثْل مَا يَمْنَحنِي فَلَعَلَّهُ يَرْحَمنَا جَمِيعًا.
فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَاب عَلَى كَلِمَتهَا هَذِهِ سِوَى أَنْ نَهَضَ مِنْ مَكَانه متضعضعا مُتَهَالِكًا وَمَشَى إِلَى بَاب اَلْقَاعَة يَسُوق نَفْسه سُوقًا حَتَّى بَلَّغَهُ فَوَقَفَ عَلَى عَتَبَته وَالْتَفَتَ إِلَى مَرْغِرِيت وَأَلْقِي عَلَيْهَا تِلْكَ اَلنَّظْرَة اَلَّتِي يُلْقِيهَا اَلْمُحْتَضِر عَلَى أَهْله فِي آخِر لَحَظَات حَيَاته وَقَالَ لَهَا اَلْوَدَاع يَا مَرْغِرِيت وَمَضَى فَمَا غَابَ شَخْصه عَنْ عَيْنَيْهَا حَتَّى نَهَضَتْ مِنْ فِرَاشهَا هَائِمَة مختبلة وَانْدَفَعَتْ إِلَى اَلْبَاب تُرِيد اَللَّحَاق بِهِ ثُمَّ تَرَاجَعَتْ ثُمَّ حَاوَلَتْ ذَلِكَ مَرَّة أُخْرَى فَأَدْرَكَهَا شَدِيدًا وَتَدُور فِي أَنْحَاء اَلْغُرْفَة دَوَرَان الثاكلة المفجوعة وَهِيَ تَصِيح أَرْجَعُوهُ إِلَيَّ لَا أَسْتَطِيع فِرَاقه سَأَمُوتُ مِنْ بَعْده وَإِنَّهَا لكذلك إِذَا سَمِعَتْ صَرْخَة عُظْمَى آتِيَة مِنْ نَاحِيَة اَلْحَدِيقَة فَخَرَجَتْ تَعْدُو إِلَى حَيْثُ سَمِعَتْ اَلصَّوْت حَتَّى بَلَغَتْ بَاب اَلْمَنْزِل
1 / 131