بلوغ الأرب بتقريب كتاب الشعب
بلوغ الأرب بتقريب كتاب الشعب
عن ابن أبي الحواري أخبرنا أحمد بن عاصم أبو عبدالله الأنطاكي قال: قال هارون الرشيد لسفيان(4): أحب أن أرى الفضيل فقال له: اذهب بك إليه فاستأذن سفيان على فضيل فقال له: من هذا؟ قال: قولوا له هذا سفيان، فقال: قولوا له: يدخل، فقال: ومن معي؟ قال: ومن معك؛ فلما دخلوا عليه، قال له سفيان: يا أبا علي هذا أمير المؤمنين، فقال: وإنك لهو يا جميل الوجه؟ أنت الذي ليس بين الله وبين خلقه أحد غيرك؛ أنت الذي يسأل يوم القيامة كل إنسان عن نفسه وتسأل أنت عن هذه الأمة؛ قال فبكى هارون. (6/35) عن محمد بن علي النحوي أخبرنا الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد، قال: فبينما أنا ليلة نائم بمكة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعا فقلت: يا أمير المؤمنين هلا أرسلت إلي فآتيك؟! فقال: حك(1) في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله عنه فقلت: ها هنا سفيان بن عيينة؛ قال: فامض بنا إليه فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال: يا أمير [المؤمنين] لو أرسلت إلي أتيتك، فقال له: خذ بما(2) جئناك له رحمك الله فحادثه ساعة فقال له: أعليك دين؟ قال: نعم، قال يا [أبا] عباس(3) اقض دينه ثم التفت إلي فقال يا [أبا] عباس ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا أسأله، فقلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعت عليه الباب، فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: خذ بما(4) جئناك له رحمك الله فحادثه ساعة ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم، قال: يا عباس اقض دينه، ثم التفت إلي فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله، فقلت: ههنا فضيل بن عياض، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من كتاب الله ويرددها، وكان هارون رجلا رقيقا فبكى بكاء شديدا ثم قال لي: اقرع الباب فقرعته فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين؛ فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟! فقلت: سبحان الله أو ما عليك طاعة؟! أو ليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه؟! قال: فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة وأطفأ السراج والتجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة فجلس فيها فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون كفي إليه فقال: أوه من كف ما ألينها إن نجت من عذاب الله! قال: فقلت(5) في نفسي: لتكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي(1)؛ قال: فقال له: خذ بما(2) جئناك له رحمك الله، فقال له: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه: يا أخي اذكر طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإن ذلك يطرق بك إلى الرب نائما ويقظانا، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء، فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر فقال له عمر: ما أقدمك؟! قال: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت ولاية حتى ألقى الله؛ قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني بليت [بهذا] البلاء فأشيروا علي؛ فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة؛ فقال محمد بن كعب القرظي: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا، فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك؛ وقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا وليكن إفطارك منها الموت؛ وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك، وإني لأقول لك هذا وإني لأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام(3)؛ فهل معك رحمك الله من يأمرك بمثل هذا؟! فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه؛ فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين! فقال لي(4): يا ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟! ثم إنه أفاق فقال له: زدني رحمك الله؛ فقال له: يا أمير المؤمنين يا حسن الوجه أنت الذي يسأله الله عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل؛ فقال له هارون الرشيد : عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه فالويل لي إن ناقشني والويل لي إن لم ألهم حجتي؛ فقال: إنما أعني دين العيال، فقال: إن ربي لم(1) يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده وأن أطيع أمره، فقال عز من قائل: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق" فقال له: هذه ألف دينار فخذها وأنفقها على نفسك وتقو بها على عبادة ربك، فقال: سبحان الله، أنا أدلك على النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا سلمك الله ووفقك؟! قال: فخرجنا من عنده فبينما نحن على الباب إذ بامرأة من نسائه قالت له: يا أبا عبدالله قد ترى ما نحن فيه من الحال فلو قبلت هذا المال وفرحتنا به فقال لها: مثلي ومثلكم مثل قوم كان لهم بعير يستقون عليه فلما كبر نحروه وأكلوا لحمه؛ فلما سمع هذا الكلام قال: نرجع(2) فعسى أن يقبل هذا المال، فلما أحس به الفضيل خرج إلى تراب في السطح فجلس عليه وجاء هارون إلى جنبه فجعل يكلمه ولا يجيبه بشيء ويكلمه فلا يجيبه بشيء، فبينا نحن كذلك إذا بجارية سوداء قد خرجت علينا فقالت: قد آذيتم الشيخ من الليلة! انصرفوا رحمكم الله! قال: فخرجنا من عنده، فقال لي(3) يا عباس إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، فهذا سيد المسلمين(4)؛ قال: وقال الفضيل: تقرأ في وترك: نخلع ونترك من يفجرك ثم تغدو إلى الفاجر فتعامله! قال وقال الفضيل: لا تنظر إليهم من طريق الغلظة عليهم ولكن انظر من طريق الرحمة يعني السلطان. (6/36-38) عن أحمد بن أبي الحواري حدثني أبو عصمة قال: حدث سفيان قال: قال ابن السماك: بعث إلي هارون فلما أتيته إلى باب القصر أخذني حرسان فأسرعا بي إلى القصر، فلما انتهيت إلى صحن القصر لقيني خصيان ضخمان فأخذاني من الحرسين فأسرعا بي إلى قاعة القصر حتى انتهينا إلى باب البهو الذي هو فيه فقال لهما هارون: ارفقا بالشيخ، فلما وقفت بين يديه فقلت له: يا أمير المؤمنين ما مر بي يوم منذ ولدتني أمي أنا فيه أتعب من يومي هذا، فاتق الله يا أمير المؤمنين واعلم أن لك مقاما بين يدي الله تعالى أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك فاتق الله في خلقه واحفظ محمدا في أمته وانصح نفسك في رعيتك واعلم أن الله آخذ سطواته(1) وانتقامه من أهل معاصيه؛ قال: فاضطرب على فراشه حتى وقع على مصلى بين يدي فراشه فقلت: يا أمير المؤمنين هذا أول(2) الصفة، فكيف لو رأيت ذل المعاينة؟! قال: فكادت نفسه تخرج وكان يحيى بن خالد [البرمكي] إلى جنبه فقال للخصيين: أخرجوه فقد أبكى أمير المؤمنين؛ فقال سفيان: رحمه الله لقد أبلغ. (6/38-39)
عن عبد الله بن الضريس قال: دخل ابن السماك على هارون يعني الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل لم يجعل أحدا فوقك فلا ينبغي أن يكون أحد أطوع منك لله عز وجل. (6/39)
صفحه ۴۸۹