183

بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس

بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس

ویرایشگر

حمدي عبد المجيد السلفي

ناشر

عالم الكتب

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م

محل انتشار

بيروت

مناطق
فلسطین
امپراتوری‌ها
ممالیک
عُلُومِ الْحَدِيثِ، فَلا رَيْبَ فِي عُلُوِّ هَذِهِ الدَّرَجَةِ وَعِظَمِ شَأْنِهَا، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ تَبَيُّنِ صَحِيحِ الْمَنْقُولِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سَقِيمِهِ، وَثَابِتِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ، وَنَفْيِ الْكَذِبِ وَالزُّورِ عَنِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنْ يَلْتَبِسَ بِهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا.
لَكِنَّ أَهْلَهَا إِذَا اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَوَقَفُوا عِنْدَهُ، مَنْزِلَتُهُمْ مَنْزِلَةُ الصَّيَادِلَةِ الَّذِينَ عَرَفُوا مُفْرَدَاتِ الأَدْوِيَةِ النَّافِعَةِ وَالضَّارَّةِ وَمَرَاتِبَهَا.
وَأَهْلُ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةُ: هُمُ الأَطِبَّاءُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ فِي تِلْكَ الأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ وَتَرَاكِيبِهَا، وَيَعْرِفُونَ مَنْ يَنْفَعُهُ، وَمَنْ يَضُرُّهُ، وَهُمُ الَّذِينَ نَصَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّفَقُّهِ فِي الأَحَادِيثِ وَفَهْمِهَا وَمَعْرِفَةِ لُغَاتِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمُفْرَدَاتِهَا وَمُرَكَّبَاتِهَا، وَاسْتِنْبَاطٍ لِلأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ (الشَّرْعِيَّةِ) الْعَمَلِيَّةِ مِنْهَا.
فَهُوَ الَّذِي نَفْعُهُ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ، مُتَعَدٍّ إِلَى كُلِّ مُسْتَرْشِدٍ فِي الدِّينِ، وَلَكِنْ دَخَلَتِ الآفَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنْ قُصُورِهِمْ فِيمَا عَرَفَهُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمُ الصَّحِيحُ بِالسَّقِيمِ، حَتَّى احْتَجُّوا بِالأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ أَصْلا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، كَمَا دَخَلَتِ الآفَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ قُصُورِهِمْ فِي فَهْمِ الْحَدِيثِ، حَتَّى حَمَلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ فِي أَحَادِيثِ صِفَاتِ اللَّهِ ﷿ مَا لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ ﷾.
وَقَدْ بَسَّطْتُ الْكَلامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي مُقَدِّمَةِ الأَرْبَعِينَ الْكُبْرَى.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَرَزَقَهُ الْقِيَامَ بِهَاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ، فَهُوَ الْحَائِزُ لِلدَّرَجَةِ الْعُلْيَا وَالْمَنْقَبَةِ الْقُصْوَى كَمَا هُوَ شَأْنُ الأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي دِينِ اللَّهِ مُجْتَهِدِينَ، فَلا تَحْصُلُ رُتْبَةُ الاجْتِهَادِ لِمَنْ قَصَّرَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، إِنَّمَا هُوَ فَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ

1 / 219