بوسای فی عصور اسلام
البؤساء في عصور الإسلام
ژانرها
القسم الثالث:
تعساء الحظ.
هذه هي الثلاثة أقسام الأصلية، وجميع أنواع البؤس ينحصر في هذه الأقسام، وأما ما زاد على ذلك فيعتبر فروعا لها. «والبؤساء» على تباين مقاماتهم وعقولهم يختلفون باختلاف الأطوار والأعمال؛ فمنهم من تلاحظه العناية فيخلق سعيدا مرزوقا من المهد إلى اللحد، ولكنه مصاب بعلة من العلل التي تعترض البؤساء أصبح من أجلها بائسا، مهما كانت درجته وسمو مركزه وعلمه وحظه. «ومنهم» من يرزق الحظ والغنى، ولكنه في حاجة إلى غرض يجد نفسه في شدة الشوق إلى الحصول عليه، وكل ميوله متحولة إليه، وإن لم ينله أصبح منغصا. فإذا اعتبرناه بائسا فما ذلك إلا لأنه يطمح لأمنية، والفرصة غير سانحة له، ونقدر ميول نفسه لهذه الأمنية بقدر درجة بؤسه وتعاسته، مهما كان غنيا ومهما كان سعيدا. «ومنهم» من يكون سعيدا بغناه، يعطي ويتصدق وهو في أمن ودعة ورخاء عيش، يهب ويمنح إلا أنه بعد زمن تزول عنه هذه النعمة فيصبح فقيرا بائسا. «ومنهم» من يخلق سعيدا؛ كأن يكون ابن ملك أو أمير يتمتع بجميع أسباب الغنى والسعادة واليسار، ويتولى الملك بعد أبيه، إلا أنه مصاب بمرض يلازمه من وقت إلى آخر؛ فيقضي على أسباب سعده وينغص عليه هناء عيشه في بحبوحة مجده. وهذا يعتبر من البؤساء لأنه مصاب بعلة تجعله كئيبا فهو بائس، «وفي عرف الفلاسفة» أن من أصيب بعلة أو مرض مهما كان غنيا أو ملكا فهو بائس؛ لأن المعافى من البؤس من كان سليم الجسم سليم البنية سليم العقل، يتمتع بثروة طائلة، وزوجة صالحة، وذرية طيبة، فهذا هو الخالي من البؤس، وأما من كان منغصا في حياته ببعض الطوارئ فهو بائس. «ومنهم» من يسعد تارة ويفتقر أخرى، وهذا أيضا من البؤساء. «ومنهم» من يصادفه البؤس عرضا؛ كأن يكون غنيا فيسرق ماله، أو تاجرا فتلتهم النار تجارته؛ فيجفوه زمانه، وتعاديه إخوانه. «ومنهم» من يجور عليه زمانه، فيغضب عليه سلطانه؛ فينفيه إلى أبعد البلدان ويشرده عن الأوطان، ويشتته عن الإخوان، فيعيش في أسوأ حال. «ومنهم» من يصاب بالجنون فيختل نظامه، ويعتل كيانه. «ومنهم» من يكون ممتعا بالخيرات، محفوظا بالبركات، فيقع في معصية، أو يصادفه البؤس من طريق عدو مباغت، أو عذول مزاحم. «ومنهم» من يباغته الوجدان، فيهيم بمحاسن الجمال الفتان - وهذا النوع من البؤساء بالمعنى الحقيقي؛ لأنهم يتحملون علاوة عن علل الأوصاب عواطف الحب، والميول الغريبة، والأشواق، والغيرة، والهم، والحزن، والقلق، واشتغال القلب بمحاسن المحبوب إلى غير ذلك - وإذا رجعنا إلى سبب البؤس وجدناه لا يكون إلا من علة الفقر.
ومن الغريب المدهش أن البؤس عادة لا يحل إلا بالفطاحل الأعلام - علماء الدنيا - وفلاسفة العالم، ولا يعترض إلا حكماء الكلام، وحملة الأقلام، والحكماء والشعراء، وكل نابغة لا يستهان بعلمه وذكائه.
ولما كان البؤس أصل كل بلية في العالم؛ أصبح لكل فرد منه أكبر نصيب، وهيهات أن يخلو منه مخلوق.
فضائل البؤس
وفضائل البؤس كثيرة، ومنها: الورع، والتقوى، والثبات، والصبر، والتجلد على المصائب، ومكافحة الأهوال، ومعرفة الله جل شأنه والتفرغ إليه سبحانه وتعالى، واليأس من الدنيا، والاهتمام بالآخرة. والبؤس عادة يوجد الطمأنينة في النفوس، ويحض على اعتزال العالم والانفراد عن الناس، والانقطاع إلى عمل واحد، والتبحر في العلوم والمعارف.
ولو نظرنا إلى البؤس من حيث حقيقته وجدناه أقوى سبب في تذليل النفس؛ بل هو الباعث لها على الانقياد والإذعان، والرضوخ والطاعة، والميل إلى حب الخير والعبادة والإحسان ... إلخ.
مساوئ البؤس
ومساوئ البؤس كثيرة، منها: التأفف، والضجر، واحتمال الهم، والكمد، والنزق، وضيق الصدر، وسوء الخلق، وقطع العشرة، والانحراف، والانكماش عن الخلق، والقهر، والإكراه والغلبة، والتطبع بالأخلاق المرذولة، وفساد الطوية، والخديعة، والمكر، والدهاء، والذل، وشدة الغيظ، وعدم المبالاة، واحتقار النفس، والبله، والطيش، والغباوة، والبغض، والعداوة من غير سبب، والعجز، والجموح، ووساوس الصدر، ومعصية الخالق، وشدة الحسد، والحقد، والميل إلى الشر، والمعاكسة، والتطبع بالرذائل، وارتكاب الدنايا، والنقائص، والهذيان، والمرض الذي يؤدي إلى الجنون وينتهي بالتفاني في حب الموت .
صفحه نامشخص