10
وهو: «قال بسمارك لغاستن: لم نفكر طرفة عين في ضم النمسة الألمانية إلى الريخ، وأقرب من ذلك تفكيرنا في أمر هولندة، وتمضي بضعة أشهر فيذكر لي سفير هولندة الذي غادر برلين إلى لندن أن بسمارك صرح له موكدا بأن أحدا لا يتطلع إلى هولندة، وأن التفكير في أمر النمسة التي هي ولاية ألمانية أقرب من ذلك!»
والحق أن بسمارك لم يرد هذه ولا تلك، وإنما كان يهدف إلى جعل جيرانه وخصومه قلقين مذعورين، وما كان غير هذا حاله أيام دراسته، ومن المحتمل أن أتى بتينك الملاحظتين ليتناقلهما الأجانب، ولم يكن ليبالي بمن هو حاضر، ولم يكن ليمتنع عن صب أشد ما عنده من القدح، وكان يطيب له نعت خصومه باللؤم، وكان حين أنسه يقول عن هذا أو ذلك «إنه أبله!» وكانت هذه الحريات التي يبيحها لنفسه في تلك الأمور نتيجة ضرورية لزهوه ولكرهه لغيره وسببا لسروره، وقد يكون شعوره بأنه يستطيع أن يقول ما يروقه عن كل إنسان - وعن الملك أيضا - أحسن ساعات حياته.
وغوستاف فريتاغ - مع خصومته - نرى رأيه الآتي جديرا بالذكر، وإليكه: «حقا لا يكون بسمارك يسيرا إلا بين الليل والضحا، وتبدو بين الروائية وحب الجمال طبقة ثقافية ضيقة للرحالة الهوي، للشريف في مظهره الظريف، ويلوح بسمارك لي أنه متعوق متخلف عن العصر النباتي، وعندي أن أبرز صفاته هو عدم المراعاة ومحاولة كل شيء بنفسه، وكما يرى مع بواكير نشاط حيوي غض جريء؛ ولذا لا يكون هذا الرجل مؤسس مذهب؛ ولذا ليست عيوبه عيوب زماننا على الخصوص، ولن يتخلى الملك الحالي عنه ما لم يرد بسمارك ذلك، ولا نفع من خداع الوادع، ولا طائل في التجهم أمام العزم الخفي، وقد عرف ذلك الرجل المتردد الجامح العسير المعشر كيف يتأبط مجد بروسية وعظمتها ويتسنم متن المعالي بفضل إقدامه ورصانة صفاته، فصار كل من يؤذيه مؤذيا للدولة».
وبذلك الشذوذ يظهر بسمارك للعالم إذن، وعلى ما كان من تسليم الكثيرين بعلو خلاله التي ألمع إليها فريتاغ، وعلى ما كان من نفع هذه الخصائل للبلد؛ تجده - إجمالا - في ذلك الدور الذي أتى بعد إحدى منازعاته الحزبية العظيمة كما تقدم واحدة منها، غير محبب لجميع الأحزاب ولجميع طبقات المجتمع، ولا سيما حزبه وطبقته، ولم يكن لمظاهره العامة - أي لخطبه التي تتمثله الأمة بها وحدها - غير ذلك الأثر، وبسمارك يجرؤ على القول أمام الريشتاغ الجديد: «لو عدلت عن مقاومة معارضتكم على وجه ما لذهبتم إلى عدم اكتراثي للأمر، فأرى أن تسروا لعدم سلوكي مثل هذه السبيل.» (حركة)، وبسمارك يقول عندما حرض على قبول بادن عضوا في جامعة دول شمال ألمانية: «لا تذهبوا إلى ما هو أبعد من حدودكم أيها السادة، وارضوا الآن أن تتمتعوا بما نلتموه، ولا تطمعوا فيما لم تنالوه، وقد أكون مخطئا وقد تكونون مخطئين، وإنما الذي أستطيع قوله لكم هو أنني لا أوافقكم على رأيكم، فسأسير وفق رأيي في الأمر.»
ومن يعامل ممثلي الشعب على هذا الوجه يعده زملاؤه مستبدا، وبسمارك بعد أن صار يعد جامعة دول ألمانية الشمالية من صنعه الخاص أخذ ينتحل لنفسه حق السلطان عليها وعلى بروسية معا، وفي تلك الأيام صار خلصاؤه يتذمرون، فقيل: «غدت طريق أوتو (بسمارك) الاستبدادية لا تطاق بعد اعتزال رون (الموقت)، وهي قد بلغت من الحرج ما صار معه لا يحتمل أدنى معارضة.» ويقول رون في كتاب أرسله إلى بسمارك بعد اعتزاله الموقت ذلك: «يبدو بسمارك في الجلسات ذا حيوية لا مثيل لها، ويحتكر بسمارك الكلام فيها تقريبا فيعتقد مخطئا أنه يستطيع بنشاطه الذهني أن يتغلب على جميع مصاعب الوضع، وأنتسب إلى المعارضين المحافظين سياسيا؛ لأنني لا أرضى أن أغمض عيني وأن أساق ضد إرادتي، والله يعلم إلى أين، ولكن بسمارك يهمل أكثر أصحابه صدقا وأشدهم إخلاصا، وهو لا يتأخر عن معاملتهم بغلظة.» ويقول سكرتير الدولة المساعد تيله: «الرئيس عنيد كما هي عادته، والرئيس يبرطم
11
على الدوام، ويتدخل الرئيس في الدقائق تارة من غير أن يعرف الوثائق معرفة كافية، ويرفض الرئيس - تارة - أن يتدخل في الأمور المهمة، ولا ضير، فإذا ما عادت إليه صحته أمكننا أن نسأله بلا حياء: ما هي قيمة أوروبة؟»
ويخشى الجميع ذلك الطاغية، فلا يجرؤ أحد أن يتخذ أقل قرار، فيغضبه ذلك، ومن الريف تكتب حنة إلى كودل قولها فيخيل إلينا أننا نسمع به صوت زوجها: «لا تعرف درجة حنق بسمارك من خجل أولئك السادة الطفلي في برلين لما يرون من عجزهم عن تحمل أية مسئولية كانت ، فيرسلون كل أمر تافه إليه هنا حتى يوافق عليه أو يتخذ قرارا حوله، وتعرف ربان دولتنا العظيم جيدا، وتعرف ماذا يضجره وماذا يكدره.» وإذا غاب بسمارك فلم يسر كل أمر كما يروم كتب يقول: «إن مما يؤسفني ألا يكون لحثي في القسم الثاني غير أثر يسير، ويلوح لي مع ذلك أنني لا أزعج هؤلاء السادة إلا نادرا، فحمل رجل مريض على الرجوع إلى مثل ذلك الأمر ثلاث مرات هو من المخزيات في الحقيقة.»
وفيما يتحول بسمارك إلى مغن وإلى نجم تصمت الجوقة حوله، ولا أحد يميل إلى الاشتراك مع هذا الذي هو أقوى الألمان وأدعاهم إلى الالتفات، وتنحسر ألمانية الذهنية حتى قبل قيام الإمبراطورية الألمانية الحديثة عن غير قصد وبلا برنامج وبدون نية للمعارضة، ولا تجد في الرسائل ولا في الأحاديث ذكرا لأناس من ذوي القرائح بين ضيوف بسمارك، وإذا كنت ترى وضع بعض الوثائق تحت تصرف تريتشاك، وإذا كنت تسمع ذكرا لرواية سبيلهاغن الجديدة، وإذا كنت تعلم شكره لفريتز روتر كتبه فإن القائمة أقفلت لسنوات، ويزور الرقيب الأريب إكارت بيت بسمارك للمرة الأولى فلا يجد فيه سوى أشراف لا يكلمون بسمارك بسوى ضمير المفرد المخاطب، وإن كانوا في الغالب يناهضونه في الخارج، وهنالك يسأل إكارت: «وماذا يمكن أن يكون المجتمع الخالص المعتاد لهذا الألماني العظيم ما دام زعماء الفكر في الأمة يظلون غرباء عن ذلك المنزل أو لا يدخلونه إلا نادرا؟»
صفحه نامشخص