بيان الشرع
بيان الشرع
وإن لم يكن الحاكم يبصر العدل وتمييز ذلك بنظره وكان بحضرته من العلماء من يبصر عدل ذلك وتمييزه، فعليه مشاورة أهل العلم ممن يبصر ذلك، فإن ذلك من النظر والرأي، لأنه وجد السبيل على الدلالة على حكم الرأي وسبيل الرأي، فيضع الرأي في موضعه ويستدل بغيره عليه، كما أنه لو لم يعلم فيه شيئا من القول كان عليه الاستدلال بمن قدر عليه من أهل الرأي، وإن كان بحضرته لم يؤخر ذلك، وإن لم يمكنه بحضرته شاور العلماء من أهل مصره ممن قدر عليه، وإن لم يكن من أهل مصره فحيث كان يقدر عليه، ولا يضيع ما يلزمه، ولا يقدم على شيء من ذلك بغير علم، وكذلك هذه الأقاويل التي قد صحت مختلفة لا يعرف أقربها إلى العدل، وبحضرته من ظاهر عليه وله معرفة ذلك ويرجو فيه تمييز ذلك فيما يراه هو عدلا، فعليه مشاورته في الأقاويل المختلفة كما عليه مشاورته فيما لم يأت فيه القول، لأن الأقاويل المختلفة يمكن عدلها كلها وصوابها، ويمكن باطلها، ويمكن باطل بعضها وصواب بعض، فهي معلولة عند من لم يعرف عدلها، والتماس معرفة عدلها على الحاكم ومن يريد العمل بها في أصل النظر، إذا لم يصح عدل شيء منها لازم.
فإذا علم الحاكم هذا ولم يعرف هو تمييز ذلك، فقد قال إنما أخذ به من ذلك وعمل به، فوافق في الأصل الحق، وهو خارج كله في الرأي فهو واسع له.
وقال من قال: ليس عليه هذا ولابد أن يقصد إلى ما هو عنده أصوب وإلى الحق أقرب على حال ليس على الإهمال، ولابد له من هذا على كل حال، ولا عذر له في حال من الأحوال أن يعمل بباطل، أو أن يقبله من قائل.
وقد قيل إذا علم هذا أخذ بقول أعلم القائلين إن كان يعرفه، فإن لم يكن يعرفه أخذ بقول أوليائه من القائلين، فإن استووا في الولاية فأفضلهم، وعلى كل حال لا عذر له في مخالفة الحق، وإذا نزل العالم بمنزلة الفتيا وقصد إلى الفتيا كان عليه ما كان على الحاكم مما مضى كله، وليس له الإهمال.
وما نص في الحاكم فهو على العالم، مما وصفنا في الحالات كلها في الفتيا. والمتفي كالحاكم فانظروا في أحواله، وكذلك المفتي في المسألة لغيره، أو العامل بها في نفسه هو بمنزلة الحاكم، والكل في الحق واحد، والحكم في نفسه كالحكم على غيره.
صفحه ۷۶