بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل وتجوز النسبة مجازا إلى السبب من غير أن يعتقد المكلف التأثير في خلق المسبب للسبب سواء كان فعل الله في ذلك السبب مرتبا على سبب هو حيوان أو جماد أو علة من أيهما أو معلول أو شرط أو مشروط من فعله تعالى ذلك الشرط والسبب أو العلة أو من فعل العبد مع اعتقاد أن الله تعالى يقدر أن يفعل المسبب على غير السبب، لكنه تعالى رتب بعض ذلك على بعض حكمة واختيارا لمن يتغير إلى الكفر من الخلق ومن لا يتغير، وهو تعالى يعلم بأولئك كلهم ليتميز لنا الخالص من غيره عند الاختيار، أو لأنهم لا يعاقبهم الله تعالى ولا من لم يتغير مع عدم سبب التغيير وحصول التغيير في العقاب، وحصول الثبوت على الحق في الثواب إلا بعد وقوع سبب التغيير، فلم يغير المثابون إذ لا يثيب تعالى على ما يعلم من العبد أنه تعالى لو كلفه به لفعله حتى يفعله، ولا يعاقب تعالى العبد على ما لم يعلم أنه لو كلفه به لخالفه تعالى قبل أن يكلفه تعالى بذلك فيفعل العبد المخالفة وخلاف هذا وهو المعاقبة على ما لم يفعله العبد لأجل علمه تعالى أنه يفعل المخالفة ولو لم يفعل، أو الإثابة على ما يعلم أنه تعالى لو أمر به العبد لفعله من دون أن يفعل يكون ذلك عبثا وقبيحا عقلا وسمعا والله تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى لا يحتاج -تعالى الله العظيم الغفار علوا كبيرا- ويقول تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ولكن لا تحل تلك النسب المجازية فيما فعله مختص بالله تعالى [168ب] إلا بدليل سمعي من كتاب الله تعالى أو السنة المتواترة المحكمة وإلا فلا يجوز مطلقا، إذ لا دليل عقلا ولا سمعا أبدا بل مستحيلة في حق المخلوق حقيقة لعجزه، ولا يصح مجازا؛ لأن الأصل الحظر، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل معين لكل نسبة شيء إلى شيء بعينه من غير أن يقاس عليه غيره لقوله تعالى: {هل من خالق غير الله} ولقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}، ومن أمثلة ذلك الذي قد ينسب إلى غيره تعالى مجازا ما في قوله تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} وقوله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} وقوله تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون}.
صفحه ۱۴۴