بدائع الفوائد
بدائع الفوائد
ناشر
دار الكتاب العربي
ویراست
الأولى
محل انتشار
بيروت
أستعيذ بالله تعالى أي أطلب منه أن يعيذني ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه فالأول: يخبر عن حاله وعياذه بربه وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه كأنه يقول أطلب منك أن تعيذني فحال الأول أكمل مجيء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر ولهذا جاء عن النبي ﷺ في امتثال هذا الأمر: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأعوذ بكلمات الله التامات وأعوذ بعزة الله وقدرته " دون أستعيذ بل الذي علمه الله إياه أن يقول ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ دون أستعيذ فتأمل هذه الحكمة البديعة فإن قلت فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ومعلوم أنه إذا قيل: قل الحمد لله وقل سبحان الله فإن امتثاله أن يقول الحمد لله وسبحان الله ولا يقول قل سبحان الله قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبي بن كعب على النبي ﷺ بعينه وأجابه عنه رسول الله ﷺ فقال البخاري في صحيحه حدثنا قتيبة ثنا سفيان عن عاصم وعبده عن زر قال: "سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقال سألت رسول الله ﷺ فقال قيل لي فقلت فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ" رواه البخاري ثم قال حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش وحدثنا عاصم عن زر قال: "سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا فقال: إني سألت رسول الله ﷺ فقال قيل لي فقلت قل فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ قلت: مفعول القول محذوف وتقديره قيل لي قل أو قيل لي هذا اللفظ فقلت كما قيل لي وتحت هذا السر أن النبي ﷺ ليس له في القرآن إلا بلاغة لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه بل هو المبلغ له عن الله وقد قال الله له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فكان يقتضي البلاغ التام أن يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ كما قال الله وهذا هو المعنى الذي أشار النبي ﷺ إليه
2 / 202