كانت حياته حيرة متصلة كلما خلا إلى نفسه، وكان لا يملك أمره إلا حين كان يتحدث إلى الناس أو يسمع لهم أو يختلف إلى الدروس، أو يصغي لما كان يقرأ عليه. فأخذ كل هذا ينجاب عنه وأخذ يدخل في الحياة كأنه لم يعرفها من قبل، وكان ذلك الشخص الحبيب إليه الكريم عليه هو الذي أخرجه من عزلته تلك المنكرة، فألغى في رفق وفي جهد متصل أيضا ما كان مضروبا بينه وبين الحياة والأحياء والأشياء من الحجب والأستار!
كان يحدثه عن الناس فيلقي في روعه أنه يراهم وينفذ إلى أعماقهم، وكان يحدثه عن الطبيعة فيشعره بها شعور من يعرفها من قرب.
كان يحدثه عن الشمس حين تملأ الأرض نورا، وعن الليل حين يملأ الأرض ظلمة، وعن مصابيح السماء حين ترسل سهامها المضيئة إلى الأرض، وعن الجبال حين تتخذ من الجليد تيجانها الناصعة، وعن الشجر حين ينشر من حوله الظل والروح والجمال، وعن الأنهار حين تجري عنيفة، والجداول حين تسعى رشيقة، وعن غير ذلك من مظاهر الجمال والروعة ومن مظاهر القبح والبشاعة فيمن كان يحيط به من الناس، وفيما كان يحيط به من الأشياء.
فكان يخيل إليه أنه يكشف له عن حقائق كانت مستخفية عليه، ولم تكن غريبة بالقياس إليه، كأنه قد عرفها في الزمان الأول البعيد، ثم نسيها دهرا طويلا، فهو يذكرها بعد أن طال عهده بها.
وكذلك أخذت تثوب إليه ثقته بنفسه وراحته إلى غيره، وأخذ ينجلي عنه الشعور بالغربة، والضيق بالوحدة والسأم من العزلة. وليس من شك في أنه قد صدق كل الصدق وأعرب عن ذات نفسه في غير تكثر ولا غلو حين قال في بعض ما كتب إن فتاته تلك قد جعلت شقاءه سعادة، وضيقه سعة وبؤسه نعيما وظلمته نورا.
ولم ينفق الفتى وصاحبته صيفهما ذاك فيما تعود الفتيان المحبون أن ينفقوا فيه أيام حبهم الأولى من تلك الحياة الهائمة التي تخلص من المشقة وتتخفف من الجهد وتفرغ لرضا النفوس وغبطة القلوب والذهاب مع الخيال الهائم في كل مذهب.
وإنما عرفا أن وقتهما أضيق من الفراغ للحب ونعيمه، فوقت الفتى في فرنسا محدود، وعليه واجبات يجب أن تؤدى، وله مهمة يجب أن تتم، وهو مسئول عن هذا كله أمام جامعة في مصر لا تعرف السماح ولا المزاح مع الذين ترسلهم إلى أوروبا ليطلبوا العلم فيها.
ولها الحق كل الحق في ذلك، فهي إنما ترسلهم إلى أوروبا ليتعلموا لا ليحبوا، وليجدوا في طلب العلم لا ليتعلقوا بأسباب الخيال.
وما أكثر ما ذكر الفتى أشهر الصيف تلك في أقصى الجنوب الفرنسي، وما جاء بعدها من الشهور في باريس، فرضي عن صاحبته وعن نفسه رضا لا تشوبه شائبة من سخط أو إنكار.
وانظر إلى فتاة وفتى في أول عهدهما بالخطبة ينفقان أكثر النهار في درس اللاتينية حين يصبحان، وفي قراءة الترجمة الفرنسية لمقدمة ابن خلدون حين يرتفع الضحى.
صفحه نامشخص