ونظرت نحوه لتتشفى برؤية الخجل في وجهه ولكنه طالعها بعينين هادئتين صافيتين، وقال: أود أن أخلصك من عفريتك!
فصاحت غاضبة: دع أعمال النساء للنساء.
وأدارت وجهها للحائط. وكان صدرها يحترق غيظا وقلقا. وقام رفاعة إلى الفانوس وأخفض ذبالته ثم نفخه فانطفأ وساد الظلام.
53
وشهدت الأيام التالية للزواج حركة دائبة في حياة رفاعة؛ انقطع عن الدكان أو كاد، ولولا حب أبيه وعطفه لما وجد ما يمسك به حياته، ومضى يدعو من يصادفه من آل جبل إلى أن يثق به كي يخلصه من عفريته، فيحقق بذلك سعادة صافية لم يحلم بها من قبل. وتهامس آل جبل بأن رفاعة بن شافعي قد خف عقله وأمسى من زمرة المجذوبين، وعلل البعض ذلك بما عرف عنه من غرابة أطوار، كما علله آخرون بزواجه من امرأة مثل ياسمينة. ودارت الأحاديث عن ذلك في القهوة والبيوت وحول عربات اليد وفي الغرز. وشد ما دهشت أم بخاطرها حين مال رفاعة على أذنها وقال برقته المعهودة: هلا سمحت لي بأن أطهرك؟
فضربت المرأة صدرها بيدها وقالت: من أدراك بأن علي عفريتا شريرا؟! أهذا هو رأيك عن المرأة التي أحبتك كابنها؟!
فقال جادا: أنا لا أعرض خدماتي إلا على الذين أحبهم وأحترمهم، وأنت مصدر خير وبركة ولكنك لا تخلين من طمع يحملك على الاتجار بالمرضى، فلو تخلصت من سيدك لوهبت الخير بلا ثمن!
ولم تتمالك المرأة نفسها من الضحك وهي تقول: أتود خراب بيتي؟! الله يسامحك يا رفاعة.
وتناقل الناس حديث أم بخاطرها ضاحكين، حتى عم شافعي ضحك ضحكة بلا مسرة. ولكن رفاعة قال له: أنت نفسك يا أبي في حاجة إلي، ومن البر أن أبدأ بك.
فهز الرجل رأسه في كمد، وراح يدق المسامير بين يديه بقوة وشت بانفعاله، ثم قال: ربنا يصبرني.
صفحه نامشخص