آغاز پاییز: داستانی از یک بانوی شیک
أوائل الخريف: قصة سيدة راقية
ژانرها
كان أوهارا نفسه قد وصل إلى حالة ذهنية خطيرة. كان واحدا من أولئك الرجال الذين يسعون وراء الشهرة والنجاح ليس من أجل المكافآت المادية في حد ذاتها وإنما بقدر أكبر من أجل الشعور بالرضا النابع من خوض النضال، والمتعة الشديدة للفوز رغم جميع الاحتمالات التي ضده. كان قد حقق نجاحات بالفعل. إذ كان لديه منزله الخاص وخيوله وسيارته وملابسه الأنيقة، وكان يدرك قيمة هذه الأشياء، ليس فقط في عالم دورهام؛ وإنما في عالم الأحياء الفقيرة وعلى أرصفة موانئ بوسطن. لم تكن لديه أي أوهام بخصوص الآليات المنقوصة للديمقراطية. وأدرك (ربما لأنه بدأ من القاع وشق طريقه حتى اقترب من القمة) أن الفقراء يتوقعون من السياسي أن يكون شخصا عظيما رائعا نوعا ما، وخاصة عندما يكون قد بدأ مشواره المهني كشخص عادي جدا وفقير ذي خلفية اجتماعية متواضعة. لم يكن أوهارا يتصرف بحماقة أو تهور. فعندما كان يزور الأحياء الفقيرة أو يحضر الاجتماعات السياسية، كان يتصرف باعتباره رجلا عاديا شاملا، أخا للجميع. وعندما كان يخطب في جموع عريضة أو يترأس اجتماعا ما، كان يصل بسيارة لامعة ويظهر بملابس أنيقة تليق بممثل عن الحكومة أو السلطة؛ ولذا كان يرجع الفضل إلى أولئك الرجال الذين لعبوا معه في صباهم على رصيف ميناء إنديا وارف وأشبعوا الرغبة العارمة داخله في شيء أروع من آليات الديمقراطية المثالية.
لقد استوعب قواعد اللعبة على أكمل وجه ولم يرتكب أي أخطاء؛ لأنه كان قد حظي بأفضل تدريب ممكن؛ ألا وهو التعرف على جميع أنواع البشر في مختلف الظروف. كان هو في حد ذاته يجسدهم جميعا، إذا ما تغاضينا عن البساطة والنزاهة واللطف التامين؛ نظرا لأنه لم يكن حقا رجلا بسيطا ولا نزيها تماما، وكان لا يعرف الرحمة لدرجة تتنافى مع أن يكون لطيفا. وفهم الناس (كما خمنت سابين)، بما لديهم من قليل من كبر وزهو وفشل وطموح.
كانت العمة كاسي وآنسون، من منطلق تفكيرهما المتزمت والمحدود، مجحفين في اعتقادهما بأن عالمهما كان هدف طموحات أوهارا. كانا، بطريقة أولئك الأشخاص الذين يعتمدون على بيئتهم لتسويغ وجودهم، يضعان قيمة لعالمهما لا تتناسب مطلقا مع مكانة رجل مثل أوهارا؛ إذ إنهما يفكران. فبالنسبة إليهما كان عالمهما هو كل شيء، أقصى ما يطمح إليه المرء على وجه الأرض، ولذلك كانا يفترضان أن الأمر حتما كان يبدو هكذا لأوهارا. وكان من المستحيل في نظرهما أن يؤمنا بأنه كان يعتبر هذا مجرد جزء صغير من مخططه الأكبر للحياة وأنه فرض حصارا حول هذا العالم من أجل المتعة التي يجدها في خوض المعركة؛ لأن أوهارا في حقيقة الأمر لم يكن يعرف ما الذي سيفعله بثمار انتصاره في هذه المعركة، بمجرد الفوز بها.
وبالفعل كان قد بدأ يدرك ذلك بنفسه. كان قد بدأ يدرك أن الفوز كان سهلا جدا لدرجة أن المعركة نفسها فقدت متعتها عنده. كانت لحظات الشعور بالرضا عن الذات، كتلك التي غمرته أثناء جلوسه مع سابين، تزداد ندرة أكثر فأكثر ... اللحظات التي من شأنه أن يتوقف فيها ويقول لنفسه: «ها أنا، مايكل أوهارا، النكرة ... ابن العامل البسيط وربة المنزل، أستقر وسط عالم مثل دورهام، وأتحدث إلى امرأة مثل السيدة ريتشارد كاليندار.»
كلا، كانت المتعة قد بدأت تفقد، وينحسر وجودها في الصراع. وبدأ يتسلل إليه الملل، ومع تزايد شعوره بالملل، صار يشعر أيضا بالقلق والتعاسة.
ومع أنه نشأ في ظل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لم يكن متدينا متشددا ولا مؤمنا بالخرافات. كانت تساوره الشكوك بما يكفي لئلا يؤمن بجميع المعتقدات التي كانت الكنيسة تسعى لفرضها عليه، إلا أن هذه الشكوك لم تبلغ مبلغا عظيما لدرجة تجعله يجد راحة البال إرادة متذرعة بالإيمان. فعلى مدار فترة طويلة جدا كان معتمدا على ذاته تماما لدرجة أنه لم تخطر على باله فكرة التوكل على الرب أو الكنيسة حتى في أحلك اللحظات التي تسودها الوحدة والاضطراب. وظل من الناحية الظاهرية معتنقا لمعتقد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية؛ لأنه بإنكاره للعقيدة، كان سيجلب لنفسه عداوة الكنيسة وعدة آلاف من الأيرلنديين والإيطاليين المتدينين. وهي بكل بساطة مشكلة لم تكن تشغله كثيرا بشكل أو بآخر.
هكذا كان قد وصل، بعدما فقد في الوقت الحالي أي شغف قوي يرشده، إلى حالة من ركود الارتباك والملل. حتى زملاؤه الساسة في بوسطن لاحظوا التغيير عليه واشتكوا من عدم إبدائه اهتماما كبيرا بالحملة التي تستهدف أن يكون نائبا بالكونجرس. كان يتصرف أحيانا كما لو أنه لم يكن يشكل له فارقا على الإطلاق سواء انتخب في الكونجرس أم لا ... وهو، مايكل أوهارا، الذي كان يمثل قيمة كبيرة لحزبه، الرجل الجذاب جدا والداهية، الذي بوسعه أن يفوز تقريبا بأي شيء يختاره.
وعلى الرغم من أنه حرص على ألا يتكهن أحد بحاله، فإن هذه الحالة النفسية الغريبة أزعجته كثيرا وعلى نحو أعمق من أي من أصدقائه. اجتاحه يقين بأن شيئا ما ينقصه في حياته، شيئا أقرب إلى المقومات الأساسية. وبعدما انتابته حالة من الخمول والملل، بدأ يفكر في نفسه لأول مرة. كانت فورة مرحلة الشباب بوهجها البهي، التي يبدو فيها كل شيء جزءا من لعبة رائعة، قد انتهت وزالت، وشعر بنفسه ينزلق إلى أعتاب الكهولة. ونظرا لكونه رجلا مفعما بالطاقة والشغف، وحب الحياة، شعر بالتغيير على نحو أشعره بحزن شديد. كان لديه نوع من الهلع من فكرة تباطؤ إيقاع الحياة؛ خوف ملأه أحيانا بشعور مرض جدا بكآبة تليق برجل أيرلندي.
في تلك اللحظات، كان يفكر بنزاهة شديدة في كل ما يمتلكه، ووجد بمرارة أن النتيجة التراكمية لم تكن مرضية. كان لديه سجل جيد بما يكفي. كان قطعا أكثر نزاهة من أغلب الرجال المنخرطين في مجال قذر كمجال السياسة؛ وبالطبع أكثر نزاهة بكثير وأكثر تحررا من الأحقاد والضغائن من كثير ممن خرجوا من عالم دورهام المقدس جدا هذا. كان قد جنى ما يكفي من المال خلال مسيرته المهنية، وكان يفوز بمعركته في دورهام. غير أنه في سن الخامسة والثلاثين، كان إيقاع الحياة قد بدأ يتباطأ، ويفقد بعضا من تلك المتعة التي جعلته فيما مضى يستيقظ كل صباح متمتعا بالصحة والنشاط، وذهنه متقد بخطط مدهشة.
ثم، وسط هذه الحالة الذهنية المضطربة، اكتشف ذات صباح أن الشعور القديم بالابتهاج قد عاوده مرة أخرى، ولم يكن ذلك راجعا إلى أن ذهنه كان عامرا بخطط مذهلة. استيقظ ولديه اهتمام بالحياة؛ لأنه أدرك أنه بعد قليل سيلتقي بأوليفيا بينتلاند. استيقظ، متحمسا لركوب حصانه والانطلاق عبر المروج، لينتظر إلى جوار مقلع الحجارة المهجور إلى أن رآها قادمة عبر الحقول المغطاة بقطرات الندى، وبدت له متألقة كتألق الصباح ذاته. وفي الأيام التي كانت لا تأتي فيها، بدا له أن وجوده بأكمله قد فقد معناه فجأة.
صفحه نامشخص