676

وأما ما يقال: إن هذا التعريف لا يصح على مذهب القائل بأن الواضع هو الله تعالى، وكذا عند من توقف فليس بشيء؛ لأن وحدة الواضع في جميع اللغات لا تستلزم وحدة الاصطلاح، بل يتفاوت مع ذلك اصطلاح التخاطب، وبعد ما أضفناك بما نظنك شبعان، بل ملآن لو لم نعرض عليك لذائذ أنعمنا بها لنا في الإحسان، فلا تعرض عنا فإنه، وإن لم يبق لك طاقة الاستفادة، فنقنع منك بالمشاهدة، فنقول كما لا بد للنحوي من ضبط ما يجري في الأصوات المشاركة للكلمات في كثرة الدوران على الألسنة في المحاورات، حتى نزلوها منزلة الأسماء المبنية، وضبطوها فيما بينها، كذلك لا بد لصاحب البيان من الالتفات إلى دقائق وسرائر يتعلق بها فإن البلغاء أيضا يتداولونها تداول المجازات الدقيقة، فيقول للمرائي لفعله المعجب به، وهو في غاية الدناءة: وي؛ تعجبا تهكما، ويخاطبون بالنازل عن درجة العقلاء الملحق بالحيوانات بأصوات يخاطب بها الحيوان تنزيلا له منزلة الحيوان، فيجب أن يجعل تعريف الحقيقة والمجاز شاملا لها حتى أكاد أجترئ على أن أقول: المراد بالكلمة أعم من الكلمة حقيقة أو حكما، وكذا المراد بما وضعت له، وغير ما وضعت له، ثم نقول: لا يخفى أن كثيرا ما تستعمل الهيئة في غير ما وضعت له، فتخصيص الحقيقة والمجاز بالكلمة يفوت البحث عن سرائر تتعلق بالهيئات، ولولا مخافة الإسهاب للزمني الإطناب في كل مقام، لكثرة ما يفيضه الوهاب، لكن توهم ضيق حوصلة السامعين يمنعني عن أن أبوح بكثير ما خفي على ذوي الألباب، ولولا ذلك لكان مطاعمة قلبي للقلوب بما تلذ به طيور المعاني أكثر مما يسعه هواء، ويطبقه سماء، ثم عدم شمول تعريف # الحقيقة للحقائق المركبة كلمة ظاهرة مستفيضة، فينبغي تقسيم الحقيقة إلى المفرد والمركب وتعريف المفرد منها بما ذكره على طبق تقسيم المجاز، ولما توقف معرفة الحقيقة والمجاز على تعريف الوضع المأخوذ فيهما عقب تعريف الحقيقة، وصدر تعريف المجاز به فتعريف الوضع لأجل معرفتهما لا للحقيقة فقط.

[والوضع تعيين اللفظ]

فقال: (والوضع) لا مطلقا، وإلا لكان تعريفه تعريفا بالأخص؛ لأن الوضع المطلق تعيين الشيء للدلالة على المعنى بنفسه، لفظا كان أو غيره، كالخط، والعقد، والإشارة، والنصب، والهيئات، ولا وضع الكلمة كما يستدعيه تعريف الحقيقة، وإلا لكان تعريفا بالأعم، وحمل اللفظ على الكلمة يجعل اللام للعهد، وأن يصلحه، لكن يمنع عنه رعاية مصلحة معرفة المجاز الذي هو المقصد هنا.

ولا يخفى أنه فوت المصنف مصلحة التعلم والتعليم حيث أخر تعريف الوضع إلى هذا المقام وأول ما يحتاج إليه في هذا الفن تقسيم الدلالة الوضعية، فليت شعري بأنه ماذا أخره؟ (تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه) (¬1) ولا يختلج في وهمك أن الأولى للدلالة على شيء؛ لأن المعنى إنما يصير معنى بهذا التعيين فطرفا الوضع: اللفظ والشيء لا اللفظ والمعنى؛ لأنا نقول: نعم، لكن طرفا الدلالة المترتبة على الوضع اللفظ، والمعنى فكن متبصرا حديد النظر في دقائق المعاني: لئلا تغفل عن لطائف البيان، لكن الأولى تعيين اللفظ لشيء بنفسه؛ لأن الوضع إضافة بين اللفظ والشيء والإضافة إنما تتضح حق الاتضاح بتعيين طرفيها، على أنك تستغني حينئذ في معرفة الوضع عن تعريف الدلالة، ويكون أخصر، وكأنه أراد صاحب التعريف إيداع العلل الأربع، فإن التعيين لا بد له من معين فيدل عليه بالالتزام، واللفظ والمعنى بمنزلة العلة المادية للوضع وارتباط اللفظ بالمعنى بمنزلة العلة الصورية للوضع والدلالة على المعنى بنفسه هي العلة الغائية.

(فخرج المجاز) متفرع على تقييد تعريف الوضع بنفسه، يعني خرج تعيين # المجاز.

صفحه ۲۲۷