التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
ژانرها
- التَّبَرُّكُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ: مِنْهُ المَشْرُوْعُ وَمِنْهُ المَمْنُوْعُ:
١) التَّبَرُّكُ المَشْرُوْعُ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّ بَرَكَةَ الأَنْبِيَاءِ جَارِيَّةٌ وُفْقَ نَوْعِيْنِ:
أ) بَرَكَةٌ حِسِّيَّةٌ - وَهِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ وَآثَارٍ وَأَفْعَالٍ -: وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. (١)
ب) بَرَكَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ - وَهِيَ بَرَكَةُ الإِسْلَامِ وَالخَيْرِ الَّذِيْ جَاءَ بِهِ -: وَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيْهَا العُلَمَاءُ وَالصَّالِحُوْنَ مَعَ الأَنْبِيَاءِ. (٢)
وَلِهَذا جَاءَ فِي الحَدِيْثِ الَّذِيْ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ (٣) مِنْ حَدِيْث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ)، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ؛ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُوْلَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُوْلَ اللهِ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هِيَ النَّخْلَةُ) (٤). فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ بَرَكَةٌ بِقَدْرِ إِسْلَامِهِ، وَلَيْسَتْ هِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ بَرَكَةُ عَمَلٍ بِالشَّرْعِ.
_________
(١) وَهَاكَ أَمْثِلَةً:
- أَمَّا بَرَكَةُ الذَّاتِ: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: كَانَ - أَي النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ أَهْلِ المَدِيْنَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيْهَا المَاءُ فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءِ إِلَّا غَمَسَ يَدَهَ فِيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣٢٤).
- وَأَمَّا بَرَكَةُ الآثَارِ - كَالرِّيْقِ وَالشَّعْرِ وَالعَرَقِ -: فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَة؛ أَنَّهُ قَالَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: (وَاللَّهِ؛ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٧٣١).
وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تُخْبِرُ عَنْ جُبَّةٍ كَانَتْ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَتْ: (هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا - فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى). وَفِي الحَدِيْثِ دِلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْ جَسَدِهِ الشَّرِيْفِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ.
وَهَذَا التَّبَرُّكُ بِالذَّاتِ وَبِالآثَارِ قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ آثَارِهِ بَاقِيًا بِيَقِيْنٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ مَعَ انْقِرَاضِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ ﵃.
- وَأَمَّا بَرَكَةُ الأَفْعَالِ: فَهُوَ كَمَا فِي حَدِيْثِ تَكْثِيْرِ المَاءِ بَيْنَ يَدِيْهِ ﷺ، وَتَكْثِيْرِ الطَّعَامِ فِي قِصَّةِ وَلِيْمَةِ جَابِرٍ. وَالأَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ، وَهِيَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
(٢) وَهَذِهِ البَرَكَةُ الحَاصِلَةُ مِنْ صُوَرِهَا: الهِدَايَةُ وَالنَّصْرُ فِي الدُّنْيَا، وَالجَنَّةُ وَالنَّجَاةُ مِنَ العَذَابِ فِي الآخِرَةِ.
وَكَمَا فِي حَدِيْثِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁؛ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَنْ الخَيْرِ؛ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ - مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي -، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيْرِ ....). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٠٦).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٤٤٤).
(٤) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٥٥/ ١٧): وَالجُمَّارُ: (- بِضَمِّ الجِيْمِ وَتَشْدِيْدِ المِيْمِ - وَهُوَ الَّذِيْ يُؤْكَلُ مِنْ قَلْبِ النَّخْلِ، يَكُوْنُ لَيِّنًا).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١٤٦/ ١): (وَبَرَكَةُ النَّخْلَةِ فِي جَمِيْعِ أَجْزَائِهَا مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيْعِ أَحْوَالِهَا، فَمِنْ حِيْنِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيْعِ أَجْزَائِهَا حَتَّى النَّوَى فِي عَلَفِ الدَّوَابِ وَاللِّيْفِ فِي الحِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ المُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيْعِ الأَحْوَالِ وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيِرْهِ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ).
1 / 58