293

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

ژانرها

٢) أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُوْلَهُ ﷺ وَأَعْطَاهُ مِنَ الآيَاتِ وَالصِفَاتِ مَا يَلْزَمُ مَعَهُ إِيْمَانُ النَّاسِ، وَيَصِحُّ بِهِ إِيْمَانُهُم، فَوَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِصِفَتَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيْرًا وَنَذِيْرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ﴾ (سَبَأ:٢٨) (١)، فَمَنْ عَمِلَ بِمُوْجَبِ بِعْثَةِ الرَّسُوْلِ ﷺ كَيْفَ يُقَالُ بِتَخْطِئَةِ مَنْهَجِهِ؟! (٢)
فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ الرِّضَا فِي الآخِرَةِ لِمَنْ خَافَ مِنَ النَّارِ الَّتِيْ أَعَدَّهَا اللهُ تَعَالَى لِلكفَّارِ؛ وَأَرْسَلَ الرَّسُوْلَ نَذِيْرًا مِنْهَا؛ فَمَنْ خَافَ مِنْهَا فَصَدَّقَ بِهِ؛ كَيْفَ يَكُوْنُ غَيْرَ مَرْضِيَ الإِيْمَانِ أَوْ نَاقِصَهُ! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرَّحْمَن:٤٦).
وَجَعَلَ ﷾ عَمَلَ أَهْلِ الإِيْمَانِ تِجَارَةً رَابِحَةً مَعَ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ، تُؤْمِنُوْنَ بِاللَّهِ وَرَسُوْلِهِ وَتُجَاهِدُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ﴾ (الصَّف:١١).
٣) أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَنَقُّصُ إِيْمَانِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ تِلْكَ المَرْتَبَةَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِ اللهِ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ هِيَ مَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ، وَلَكِنَّهَا تَحْتَاجُ لِاعْتِبَارٍ وَتَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ فِي الآيَاتِ الكَوْنيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَإِلى أَنْ يَبْلُغَ العَبْدُ - نَاطِقُ الشَّهَادَةِ - هَذِهِ المَرْتَبَةَ لَا يَكُوْنُ مَذْمُوْمًا! بَلْ هُوَ مَمْدُوْحٌ حَيْثَ تَرَكَ عِبَادَةَ الطَّاغُوْتِ وَوَحَّدَ اللهَ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ، وَيَكُوْنُ سَاعِيًا فِيْمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ. (٣)
وَفِي الحَدِيْثِ عَنِ البَرَاءِ ﵁ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيْدِ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: (أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ). فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ؛ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (عَمِلَ قَلِيْلًا وَأُجِرَ كَثِيْرًا». (٤)
وَفِي الحَدِيْثِ (كَانَ غُلَامٌ يَهُوْدِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ؛ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُوْدُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: (أَسْلِمْ) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيْهِ - وَهُوَ عِنْدَهُ -، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُوْلُ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». (٥)

(١) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٣٠١/ ١٤): (﴿بَشِيْرًا﴾ أَيْ: بِالجنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَ. ﴿وَنَذِيْرًا﴾ مِنَ النَّارِ لِمَنْ كَفَرَ).
(٢) وَفِي الحَدِيْثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً؛ فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيْعُوْهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيْعُوْنِي؟! قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوْهَا، فَقَالَ: اُدْخُلُوْهَا، فَهَمُّوا - وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا - وَيَقُوْلُوْنَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ! فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ؛ فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (لَوْ دَخَلُوْهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوْفِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧١٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٤٠) مِنْ حَدِيْثِ عَليٍّ مَرْفُوْعًا.
(٣) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِيْنَ﴾ (الرُّوْم:٢٢)، وَهَؤُلَاءِ العَالِمِيْنَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - لَا شَكَّ أَنَّهُم تَمَتَّعُوا بِعِلْمٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِم - مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ سَابِقَةُ العِلْمِ الوَاسِعِ وَالنَّظَرِ البَعِيْدِ -، فَهَلْ يُضَلَّلُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؟!
قَالَ الإِمَامُ المُحَقِّقُ ابْنُ دَقِيْق العِيْد ﵀ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِيْنَ النَّوَوِيَّةِ (ص٥٥): (وَفِي قَوْلِهِ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ) دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ المُحَقِّقِيْن وَالجَمَاهِيْرِ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ دِيْنَ الإِسْلَامِ اعْتِقَادًا جَازِمًا - لَا تَرَدُّدَ فِيْهِ - كَفَاهُ ذَلِكَ؛ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعلُّمُ أَدِلَّةِ المُتَكَلِّمِيْنَ وَمَعْرِفَةُ اللهِ بِهَا؛ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ شَرْطًا فِي نَحْوِ أَهْلِ القِبْلَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ المُرَادَ التَّصْدِيْقُ الجَازِمُ - وَقَدْ حَصَلَ - لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَفَى بِالتَّصْدِيْقِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ المَعْرِفَةَ بِالدَّلِيْلِ).
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٠٨)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٠).
(٥) صَحِيْحُ البُخَارِيِّ (١٣٥٦) عَنْ أَنَسٍ.

1 / 293