233

أصول بلا أصول

أصول بلا أصول

ناشر

دار ابن الجوزي

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

محل انتشار

القاهرة - جمهورية مصر العربية

مناطق
مصر
قال مُقَيِّدُهُ -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الْخَضِرَ ليس بحي، بل تُوُفِّيَ، وذلك لعدة أدلة:
الأوَّل: ظاهر عُمُومِ قَوْلِه -تعَالَى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]؛ فقوله "لبشر" نكرة في سياق النفي، فهي تَعُمُّ كل بشر، فيلزم من ذلك نفيُ الخلد عن كل بشبر من قبله، والْخَضِرُ بَشَرٌ من قبله؛ فلو كان شَرِبَ من عين الحياة، وصار حَيًّا خالدًا إلى يوم القيامة، لكان اللَّه قد جعل لذلك البشر الذي هو الْخَضِرُ من قبله الخلد (١).
الثَّانِي: قوله ﷺ: "اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ"، فقد روي مسلم في "صحيحه" بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: حَدَّثَنِي عمر بن الخطَّاب ﵁، قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، ثم مَدَّ يَدَيْهِ، فجعل يهتف بِرَبّهِ: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَني، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هِذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أهْلِ الإسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ"، فمازال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبلَ القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكرٍ، فأخذ رداءَهُ، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي اللَّه، كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، فأمده اللَّه بالملائكة ... الحديث، ومَحَلُّ الشاهد منه قوله ﷺ: "لا تُعبد في الأرض" فِعْلٌ في سياق النفي، فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض"؛ لأن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن

= من "المجموع" (٥/ ٣٠٥)، وبمثله قال الحافظ العراقي في "المغني" (٤/ ٤٧٥) بهامش "الإحياء"
(١) انظر: "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير (١/ ٣٣٤).

1 / 242