فقال المقوقس: «وإني لأعجب من فتحهم بلبيس وهم في مثل هذا العدد القليل، فإنك لو أشرفت على معسكرهم لرأيتهم شرذمة قليلة لا تلبث أن ترتد خاسرة إذا خرج جندنا إليها.»
فقال الأعيرج مستهزئا بقول المقوقس الدال على الجهل بضروب الحرب: «ليس من الحزم أن نترك حصننا ونخرج إليهم طالما كانت المئونة ملء مخازننا وطريقنا إلى منف مفتوحة، ولكننا نتركهم وشأنهم حتى يملوا الانتظار، فإذا هاجموا الحصن رددناهم بالنبال والحجارة، فإن الحصن يمتنع على أضعاف أضعافهم؛ لما تعلم من مناعته، وبخاصة بعد حفر الخندق المحيط به، فإن هؤلاء العرب إذا هاجمونا واحتملوا نبالنا منعهم الخندق من الوصول إلى السور، فإذا نزلوا الخندق انغرست أشواك الحديد في أقدامهم وهم حفاة. كل ذلك والنبال تتساقط عليهم من مرامي السور.»
وقضوا ذلك اليوم في مراقبة العدو، والنظر إلى ملابسهم وخيامهم وأعلامهم عن بعد، لأنها تخالف ما عند الروم.
وكان أركاديوس قد راعه كل ذلك عن قرب، فوقف إلى جانب أبيه، وأطلا على بعض المرامي، وأخذ أركاديوس يصف لوالده خيام العرب، فدله على خيمة عمرو، وحظيرة الجمال، وخيام النساء والأولاد، ومواقع الرايات، والأعيرج يعجب ويستغرب لاختلاف ما عندهم عما عند العرب، فلما كان الأصيل رأى أركاديوس رجلا قادما عن بعد ومعه علم أبيض يتبعه رجلان آخران، والكل مشاة، فعلم من لباسه أنه عربي، فأدرك أنه قادم لشأن من الشئون فأنبأ والده، فنادى الرسل من أعلى السور، وأمر بالترجمان فجاء، فلما دنا الثلاثة من الحصن تقدم أحدهم وخاطب الحامية بالقبطية، بلغة دلت على أنه ليس دخيلا فيها، فأغناهم عمن يترجم كلامه، وكان مرقس في جملة الوقوف على السور، فعرف أن المتكلم زياد العربي صاحب يحيى النحوي، ومعه وردان ورجل آخر لم يعرفه، قالوا إنهم جاءوا بكتاب من أميرهم إلى المقوقس، ففتحوا باب الحصن وأدخلوهم، وقد تكأكأ الجند لرؤية لباسهم وهيئتهم، أما هم فساروا بأقدام ثابتة كأنهم دخلوا الحصن فاتحين، فرافقهم بعض الحراس حتى وصلوا إلى غرفة المقوقس، وكان جالسا بجانب الأعيرج، وبجانبه ابنه، وبجانب الأعيرج أركاديوس، وبين أيديهم أرباب المجلس، ومعظمهم من الروم، فدخل وردان وقدم ملفا مكتوبا بالعربية، فأمر المقوقس الترجمان، فتلاه عليهم وإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن العاص أمير جند العرب القادم لفتح مصر إلى المقوقس حاكم مصر. أما بعد، فإن الله قد كتب لنا النصر منذ دخلنا هذه الديار، ففتحنا الفرما وبلبيس عنوة، ولا بد لنا من فتح هذا الحصن إن عنوة وإن صلحا، ولا نبالي بمن يقتل منا في سبيل فتحه، فإن أحدنا ينتظر ساعة الشهادة ليلقى وجه ربه، وها أنا ذا أعرض عليكم واحدة من ثلاث: فإما أن تدخلوا في ديننا فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإما أن تؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما السيف، فاختاروا لأنفسكم.
كتبه عمرو بن العاص
فلما أتم الترجمان تلاوة الكتاب تكدر الأعيرج، واشتد به الغضب، ونظر إلى المقوقس كأنه يستشيره في الجواب، فأمر بإخراج الرسل والاحتفاظ بهم حتى يعودوا بالجواب، وأخذ أهل المجلس يتفاوضون، فأظهر المقوقس أن التسليم لا يليق بهم، وهم لم يغلبوا على أمرهم بعد، فأقروا الرأي وأجمعوا على أنهم يختارون السيف، وكتبوا الجواب ومهره المقوقس باسمه؛ لأنه الوالي الذي تصدر الرسائل عنه، وأعطوه إلى مرقس وكان بين يديه، ليوصله إلى رسل العرب، وأمرهم أن يشيعوا الرسل إلى باب الحصن، فلما ذهبوا خاف المقوقس أن يظن عمرو فيه سوءا عندما يقرأ الكتاب، وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب، فذهب إلى غرفته فخلا بابنه، وبحثا الأمر، فقال أرسطوليس: «أرى أن نبعث إلى العرب نستمهلهم الفتح، ونفهمهم أننا على عهدنا معهم.» فقال: «بأي لغة نكتب الكتاب؟ ومن يوصله؟» قال: «يوصله مرقس فإنه يعرف العرب، وأما كتابته فتكون بالقبطية، وترجمانهم يترجمه إلى لسانهم.»
فكتب أرسطوليس كتابا بالقبطية أبان فيه أن الكتاب الذي بعثه أبوه ردا على خطابهم إنما كتبه ليموه به على من معه من الروم، وليريهم أنه يريد دفع العرب، ولكن الحقيقة أنه باق على عهده معهم، ولا يلبث أن يسلم الحصن إليهم ويتفق معهم على شروط الصلح، ولكنه استمهلهم قضاء ذلك حتى سنوح الفرصة.
وجيء بمرقس إلى المقوقس والليل قد أرخى سدوله، فدفع إليه الكتاب، وأوصاه أن يحتفظ به، وسأله: «كيف توصله إلى معسكر العرب؟»
فقال مرقس: «أما الخروج إلى العرب فلا يخلو من الخطر، وهؤلاء الروم قد أساءوا الظن بنا، فهم يراقبون خطواتنا مثل خطوات عدوهم، فإذا اشتبهوا في أحدنا دققوا في استطلاع حاله، فكيف إذا رأوني سائرا ليلا نحو معسكر العرب؟ فالرأي أن أحتفظ بهذا الكتاب إلى فرصة أذهب فيها إلى منف لغرض ما، ثم أتحول من هناك إلى طريق آخر يؤدي إلى معسكر العرب، فلا يراني أحد.» فاستحسن المقوقس وأرسطوليس رأي مرقس وأبقيا الكتاب معه تلك الليلة ، فذهب إلى مبيته فوق السور، وتذكر طريقة أركاديوس وأرمانوسة، وما لهما عليه من الفضل، أيقن أن مساعي المقوقس هذه تضر أركاديوس، وربما أذاقته حتفه إذا دخل العرب الحصن على غرة، وأن أركاديوس إذا أصيب بسوء عاد ذلك بالوبال على أرمانوسة، وفي هذا ما يسيء والدها وأخاها، كما أن شرا يصيب أركاديوس يسيء والده.
صفحه نامشخص